إذا عرفت هذه الأمور يتضح تقريب الاستدلال بالآية الشريفة ، إذ المراد بصيغ الجمع من قوله تعالى
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا
ليس تفقه جمع بهيئة الاجتماع وكذا الإنذار ، فإذا نفر واحد في يوم السبت وأخر في يوم الاثنين وثالث في يوم الأربعاء صدق نفر طائفة ، وكذا في كيفية تفقههم وتعلمهم ، فإذا شرع واحد منهم في التعلّم في شهر ربيع الأول وأخر في جمادي الأولى صدق أنّ جماعة تفقهوا في الدين وكذا في الإنذار ، فإذا أنذر واحد في اليوم الفلاني وأخر في غير ذلك اليوم وهكذا صدق أنّ جماعة أنذروا الناس أو القبيلة .
والحاصل أنّ الهيئة الاجتماعية لا دخل لها في شيء من النفر والتعلّم والإنذار ، فإذا أنذر واحد من المتفقهين شخصا بمقتضى تقابل الجمع مع الجمع المستلزم لتقابل الفرد بالفرد ، فيجب على المنذر بالفتح العمل لما تقدم من الملازمة بين الغاية إذا كانت فعلا اختياريا وبين المغيى في الحكم ، والمفروض أنّ قوله تعالى ( ولينذروا ) يدلّ بظاهره على الوجوب ، فلا بدّ أن يكون غاية وجوب الإنذار وهو الحذر أي العمل واجبا أيضا ، إذ لا معنى لوجوب الإنذار وعدم حجيّته على المخاطب فلا محيص عن الالتزام بحجيّة إنذار المنذر سواء أفاد العلم للمنذر بالفتح أم لا فيثبت بهذه الآية الشريفة حجيّة قول العادل .
فإن قلت : إنّ مقتضى الإطلاق هو اعتبار قول المنذر مطلقا وإن كان فاسقا فتدلّ الآية على حجيّة خبر الواحد مطلقا .
قلت : نعم لكن يقيد الإطلاق بمنطوق آية النبأ الدال على عدم حجيّة خبر الفاسق ، فتختص آية النفر بخبر العادل ، هذا توضيح وجه الاستدلال بآية النفر على حجيّة خبر العادل ببيان لا يرد عليه الإشكال .
[ بعض الإشكالات الواردة على الاستدلال بآية النفر ]
وقد يستشكل في بعض مقدمات الاستدلال المزبور وهي دعوى الملازمة بين ما قبل الغاية وما بعدها في الحكم بما حاصله : إنكار الملازمة المذكورة وعدم تسلمها