عقلائي ، فيخرج المورد عن السفاهة وخروج المورد مستهجن ، فلا بدّ من جعل الجهالة بمعنى غير السفاهة وهو عدم العلم ، ويعود حينئذ الإشكال المزبور وهو وجوب التبيّن في كلّ خبر غير علمي وإن كان المخبر به عادلا ، فيبقى التعارض بين المفهوم وبين عموم العلة على حاله .
قلت أولا : إنّه لم يظهر كون ترتيب الأثر من المتدينين من الصحابة الذين لم يكن لهم غرض فاسد من نهب أموال بني المصطلق حتى يكون إقدامهم عقلائيا محضا ، فلعل ترتيب الأثر وتجهيز الجيش كان من المنافقين الذين لا يعتنى بشيء من شؤونهم قولا وفعلا بل الرشد في خلافهم حتى في الأمور العرفية والعقلائية .
وثانيا : بعد تسليم كون تجهيز الجيش من أخيار الصحابة أنّه يحتمل أن يكون ذلك لاعتقادهم بعدالة الوليد ، إما لغافلتهم عن أفعاله القبيحة التي ارتكبها سابقا ، وإما لعدم معرفتهم أصلا بسوابق أعماله السيئة فكان بناؤهم على ترتيب الأثر على خبر الوليد من الأمور العقلائية ، فنبهّهم اللّه سبحانه وتعالى على خطائهم في اعتقادهم بعدالة الوليد ، وأنّه ليس من العدول الذين يعتني العقلاء بشأنهم ويكون ترتيب الأثر على أخبارهم عقلائيا .
وثالثا : بعد تسليم عدم اعتقاد أبرار الصحابة بعدالة الوليد - ومع ذلك رتبوا الآثار على خبره لبنائهم على كون الاعتماد على خبر الفاسق عقلائيا - أنّه لا دليل على عقلائية كلّ أمر يرتكبه العقلاء ، فإنّ خطأ العقلاء كثير جدا كما هو المشاهد منهم ، فإنهم يرتكبون أمرا ثمّ يطلعون على خطائهم فيندمون كمال الندم فيمكن أن يكون بناؤهم على الركون إلى خبر الفاسق من الأمور التي أخطئوا فيها وإن كان في نظرهم عقلائيا ، فالشارع نبّههم على خطائهم في جعل الركون إلى خبر الفاسق عقلائيا .
ولكن الإنصاف أنّه لا أساس لجعل الجهالة بمعنى السفاهة ، إذ لم يرد في ذلك تفسير مضافا إلى كونه غير معناه الموضوع له ، فإنّ الجهالة عدم العلم دون السفاهة ،
نتائج الأفكار في الأصول — صفحة 229
مساهمون: السيد محمود الشاهرودي
ص٢٢٩