وقد أجيب عنه بأنّ المفهوم أخصّ من العلة فتخصّص به ، إذ ما من عام إلّا وقد خصّ .
ولكن فيه ، ما لا يخفى : ضرورة أنّ التخصيص فرع ثبوت المفهوم ، والمفروض أن المنطوق يكون محفوفا بما يصلح للقرينية فلا ينعقد له ظهور في المفهوم حتى يكون المفهوم مخصّصا لعموم العلة ، مضافا إلى إباء سياق العلة عن التخصيص فإنّ ( إصابة القوم بجهالة ) لمكان خوف ترتب الندم عليها ممّا يستقلّ العقل بقبحها فلا يمكن تخصيص العلة كعدم إمكان تخصيص قوله تعالى « 1 » :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
فإنّه لا يمكن استثناء التجارة عن تراض من الباطل فإنّ الباطل لا يقبل التخصيص بل لا بدّ من الالتزام بخروج التجارة عن تراض عن الباطل موضوعا .
وقد أجيب عنه أيضا : بأنّ المراد بالجهالة هي السفاهة لا عدم العلم ، ومن المعلوم أنّ الاعتماد على خبر العادل ليس سفهيا عند العقلاء كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا يكون التعليل مانعا عن المفهوم إذ ليس الاعتماد على خبر العادل سفاهة فلا يشمل التعليل خبر العادل أصلا .
فإن قلت : إنّه لا يمكن أن تكون الجهالة بمعنى السفاهة لأنّه يلزم ارتكاب العقلاء لأمر سفهي ، حيث إنّ الصحابة الذين هم من العقلاء صاروا بصدد ترتيب الأثر على خبر الوليد بارتداد بني المصطلق من تجهيز الجيش للقتال معهم فلم يرتكبوا أمرا سفهيا بل ارتكبوا أمرا عقلائيا ، فحينئذ يلزم خروج المورد عن التعليل ، إذ مقتضى العلة وجوب التبيّن عن الخبر الذي يكون الاعتماد عليه سفهيا وفي مورد الآية لمّا عزم العقلاء على ترتيب الأثر على خبر الوليد وكان عزمهم عليه عزما على أمر
هامش
( 1 ) النساء : 29 .