الإشكال الوارد على ظاهر العنوان فهو باق على حاله .
فالأولى في تصوير النزاع أن يقال : إنّ المراد بالنهي المتعلّق بالعبادة هو ما لم يكن ناشئا عن مفسدة في متعلّقه ولم يقم دليل على اشتمال كلّ فعل مأمور به أو منهيّ عنه على مصلحة أو مفسدة ، بل الدليل لا يدل إلّا على بطلان الجزاف بحيث لم يكن في البين مرجح ، إذ يلزم الترجيح بلا مرجح والمرجح قد يكون راجعا إلى العبد وقد يكون راجعا إلى النظام الأكمل ، وعلى هذا فيمكن أن يكون النهي لأجل وجود مصلحة أقوى من المصلحة الموجودة في المنهيّ عنه فيكون النهي لحفظ تلك المصلحة القصوى ، مثلا إذا نهى عن سقي الأوراد والأشجار بالماء المالح لا لأجل مفسدة في الماء المالح بل لأنّ السقي بماء الفرات مثلا مصلحته أقوى وأهمّ وفائدته أكمل وأتم بمراتب من مصلحة الماء المالح ، فلا مفسدة في المنهيّ عنه بل ليس فيه غير المصلحة غايته أنّ استيفاء المصلحة الأقوى أوجب النهي عن السقي بالماء المالح ، وعلى هذا التصوير يصحّ النزاع في دلالة النهي على الفساد وعدمها ويكون النزاع معقولا كما لا يخفى .
[ تأسيس الأصل في المسألة ]
إذا عرفت صحة النزاع ومعقوليّته فلا بأس قبل بيان الأقوال وأدلتها بتأسيس الأصل في المسألة فنقول : يقع الكلام تارة في الأصل في المسألة الاصوليّة وهي اقتضاء النهي للفساد وعدمه ، وأخرى في الأصل في المسألة الفرعيّة فهنا مقامان الأوّل : في المسألة الاصوليّة ، والثاني : في الأصل في المسألة الفرعيّة .
أما المقام الأوّل : فملخص الكلام فيه أنّ الأصل تارة يلاحظ بالنسبة إلى الدلالة اللفظيّة وأخرى إلى الملازمة العقليّة بين النهي والفساد .
أما الأوّل : فمرجع الشك فيه في دلالة النهي على الفساد وعدمها إلى وضع صيغة النهي للفساد وعدمه ، والأصل عدم الوضع للفساد والاقتصار على المتيقن