ولكن لا يخفى أن جريان البراءة في المحصلات الشرعية بمكان من الضعف والسقوط ، سواء قلنا بجعل السببية أم لم نقل بذلك ، بأن كان المجعول الشرعي هو المسبب عند وجود السبب .
أما على الأول : فلأن سببيّة الأكثر معلومة ولا شك فيها حتى تجري فيها البراءة ، وسببية الأقل وإن كانت مشكوكة إلّا أن جريان البراءة فيها ينافي الامتنان ، إذ لازم البراءة عدم كون الأقل سببا وهو ينافي المنّة التي هي من أركان البراءة ، فعلى تقدير لا شك وعلى آخر لا امتنان ، وعلى كلا التقديرين لا تجري البراءة .
وأما على الثاني : فكذلك أيضا لأن ترتب المسبّب على الأكثر معلوم ، وترتبه على الأقل مشكوك والبراءة فيه تنافي الامتنان ، فباب الأسباب والمحصّلات يكون عكس متعلّقات التكاليف ، لكون المتيقن هناك هو الأقل والمشكوك هو الأكثر ، بخلاف الأسباب فإن الأكثر معلوم السببية والأقل مشكوك المحصليّة .
نعم إن بنينا على جعل الجزئية لأجزاء السبب كالبناء على مجعولية نفس السبب أمكن الالتزام بالبراءة الشرعية في الأسباب الشرعية لكن هذا المبنى فاسد لما سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى من أن القول بجعل السببيّة والشرطيّة والمانعيّة في غاية الوهن والسقوط ، فلا وجه لجريان البراءة في المحصّلات الشرعية أصلا ، إما لعدم الشك المقوّم للبراءة وإما لعدم الامتنان فتدبر ، هذا كله في بيان فساد المبنى للقول بالاشتغال في السبب إن كان غير شرعي والبراءة إن كان شرعيا .
وأما فساد البناء فحاصله : أن تعلّق التكليف بالملاكات منوط بكونها من قبيل المسبّبات التوليدية - كترتب الإحراق على الإلقاء - بحيث كان فعل العبد المحصّل لها علّة تامّة لترتب الملاك عليها من دون دخل ارادته سبحانه وتعالى ولا لأحد من الملائكة المقربين فيه وهو في غاية الوهن ، ضرورة أن افعال العباد على
نتائج الأفكار في الأصول — صفحة 229
مساهمون: السيد محمود الشاهرودي
ص٢٢٩