ولا يمكن التقييد اللحاظي الذي هو المبحوث عنه في القسم الثاني - أعني القيود المتأخرة عن الخطاب - في المراحل الثلاث أعني مرحلة الجعل والإنشاء ومرحلة الفعلية ومرحلة الامتثال ، فالمدّعى استحالة التقييد اللحاظي في الانقسامات المترتبة على الحكم في المراحل الثلاث المزبورة ، أما استحالته في مرحلة الإنشاء فلعدم إمكان لحاظ شئ واحد علّة ومعلولا بلحاظ واحد ، إذ العلم بالحكم - مثلا - المفروض كونه موضوعا للحكم علّة للحكم ، ( لما عرفت من أن الموضوع بمنزلة العلة للحكم ) ومعلول للحكم ، لأن العلم لا بد أن يكون متأخرا عن المعلوم ، فالمعلوم متقدم رتبة على العلم نظير تقدم العلة على المعلول ، ومن المعلوم عدم إمكان تعلّق لحاظ واحد بما يكون متقدما ومتأخرا أي علة ومعلولا .
وبتقريب آخر : أن الموضوع الذي يتصوره الجاعل للحكم لا بد أن يكون بحيث يمكن وجوده في الخارج ، وانطباق ما فرضه موضوعا في وعاء التصور على ما في وعاء العين حتى يترتب عليه الحكم ، وإلّا فيكون ما تصوره من قبيل أنياب الأغوال التي لا يترتب عليها أثر في الخارج نظير تصور حمل مسجد الشيخ قدّس سرّه مع ما فيه وما عليه على رأس إصبعه ، فإن نفس التصوّر لا محذور فيه لسعة عالم الذهن ، ولكن المتصوّر الذي لا ينطبق على الموجود العيني يوجب لغوية الجعل .
وبالجملة ، الأحكام الشرعية على التحقيق الذي سيأتي إن شاء اللّه تعالى من القضايا الحقيقية ، ومن المعلوم أن فرض وجود الموضوع فيها لا بد أن يكون بمثابة يمكن وجوده في الخارج حتى يكون الحكم فعليّا ، إذ فعليّة الحكم تكون بفعليّة موضوعه أي بوجوده خارجا ، ومع عدم وجود الموضوع خارجا لكون الموضوع المفروض شيئا لا يوجد في الخارج يلزم لغوية الجعل والإنشاء ، ومن المعلوم عدم إمكان الموضوع المزبور في الخارج لترتب الحكم على العلم به الذي هو الموضوع
نتائج الأفكار في الأصول — صفحة 209
مساهمون: السيد محمود الشاهرودي
ص٢٠٩