فطري ، وأمّا تشخيص الصغريات وتطبيق الكبريات عليها - الذي هو المدار في جودة الاستنباط فإن أجاد التطبيق والتشخيص فهو جيّد الاستنباط ، وإلّا فلا - فلا يحصل إلّا لمن شملته العناية الإلهية ، ورزق توفيقا ربّانيا بأن نوّر اللّه قلبه بنور العلم والمعرفة .
وحينئذ يحصل له ملكة قدسية بعد التعب والجدّ وممارسة العلوم التي ذكرناها ، خصوصا علم الأصول ، وبعد الفحص في الأخبار المروية عن أهل بيت العصمة والأحاديث المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وآيات الأحكام في الكتاب العزيز والتدبّر والفحص عن أقوال الفقهاء لتحصيل الإجماعات والشهرات .
وحينئذ يتمكّن من استنباط الأحكام عن مداركها ، وإلّا ليس كلّ من يتعب نفسه ويشتغل اشتغالا جدّيا في العلوم المذكورة يحصل له هذه الملكة القدسية .
ولكن أنت خبير : بأنّه إن أريد من هذا الكلام : أنّ الصور العلمية تفاض على النفوس بعناية ربّانية ومن قبل اللّه - جلّ وعلا - والتوفيق من اللّه بتوجيه الأسباب وتهيئتها للمتعلّم ، ولا بدّ في النفس من قابلية ولياقة لهذه العطايا الربّانية فهذا حقّ ومحض الواقع ، ولكن لا اختصاص له بعلم الفقه وملكة الاجتهاد ، بل هذا هو الحال في جميع العلوم ، بل الحال في جميع العطايا الإلهية .
وإن أريد أمر زائد على هذا في خصوص ملكة الاجتهاد ، وأنّه لا تحصل هذه الملكة إلّا للورع المتقي والذي هذّب نفسه عن الرذائل وتحلّى بالفضائل فهذا معلوم البطلان بالوجدان ؛ إذ هذه الملكة أيضا كسائر ملكات العلوم تحصل للعادل والفاسق ، بل المؤمن والكافر ، فإنّ كلّ من له استعداد فطري وجدّ واجتهد في طلبها من طرقها المتعارفة ، سواء أكان عادلا أم فاسقا يحصلها ، فإنّ اللّه لا يضيع عمل عامل .
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 795
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٧٩٥