والرقّية والطهارة والنجاسة إلى غير ذلك كلّها من الأحكام الوضعية .
وأمّا الماهيات المخترعة ، كالصلاة والحجّ والصوم وغيرها فالأحكام المتعلّقة بها أحكام تكليفية من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة . وأمّا نفس هذه الماهيات فليست أمورا اعتبارية ومن مجعولات الشارع ، بل هي أمور تكوينية وأفعال خارجية صادرة عن المكلّفين مقرونة بالقصد والإرادة وقصد القربة ، وكلّ هذه الأمور موجودات عينية وليست من الأحكام الشرعية .
نعم ، باعتبار تعلّق الأمر بهذه المركّبات والأفعال الخارجية يتصف ما تعلّق الأمر به قيدا وتقييدا بالجزئية ، وما تعلّق به تقييدا لا قيدا بالشرطية ، وما تعلّق بعدمه تقييدا لا قيدا بالمانعية ، وسنتكلّم في هذه الأمور إن شاء اللّه .
فلا وجه لعدّ الماهيات المخترعة من الأحكام الوضعية ؛ لما عرفت من أنّ الضابط في الحكم الوضعي هو أن يكون مجعولا شرعيا ابتداء واستقلالا أو تبعا لجعل آخر شرعي أيضا .
وبعبارة أخرى : يكون وجوده وتحقّقه في عالم الاعتبار التشريعي منتهيا إلى جعل شرعي ، وإلّا فإن لم يكن ممّا تناله يد التشريع وضعا ورفعا فلا يصحّ إطلاق الحكم الشرعي عليه ، لا الوضعي ولا التكليفي .
وأيضا ظهر من الضابط المذكور : أنّ عدّ ما ليس قابلا للجعل التشريعي بزعمه كالسببية للتكليف من الأحكام الوضعية لا استقلالا ولا تبعا لا وجه له أصلا .
فالأحكام الوضعية على قسمين : قسم قابل للجعل ابتداء واستقلالا ، تأسيسا أو إمضاء ، وقسم ليس قابلا للجعل إلّا تبعا . وليس هناك قسم ثالث غير قابل للجعل أصلا ؛ إذ كونه حكما مع كونه غير قابل للجعل مناقضة .
فالأحسن أن نتكلّم في ما عدّوه من الأحكام الوضعية حتّى يتبيّن أنّ أيّ
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 521
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٥٢١