بالتناقض في حكم العقل والترخيص في عدم الموافقة القطعية يوجب في نظر العقل - مع حكمه بوجوب الموافقة القطعية من باب المقدّمة العلمية - احتمال التناقض ، وهو أيضا محال « * » .
فعدم جريان الأصول ليس لسقوطها بواسطة التعارض ، بل لا تجري ولو لم يكن لها معارض ، إلّا بجعل الطرف الآخر بدلا عن التكليف المعلوم أو انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي أو الإجمالي أو بأمارة أو أصل تنزيلي أو غير تنزيلي ، شرعي أو عقلي ، كما تقدّم تفصيل ذلك كلّه في مبحث الانحلال .
ثمّ إنّه لو أتى بأحد المحتملين في الشبهة الوجوبية فيجب الإتيان بالمحتمل الآخر ؛ لما ذكرنا من وجوب الموافقة القطعية ، وقد يتمسّك لوجوب إتيانه بالاستصحاب حكما ، وذلك باستصحاب بقاء الحكم المعلوم في البين أو موضوعا ؛ وذلك باستصحاب عدم إتيان الواجب المعلوم في البين .
أمّا الأوّل : أي استصحاب الحكم ففيه : أنّ أركان الاستصحاب من اليقين السابق ؛ أي اليقين بالوجوب الكلّي المشترك بين وجوب صلاة الظهر وصلاة الجمعة مثلا ، والشكّ اللاحق ؛ أي الشكّ في بقاء ذلك الوجوب الكلّي وإن كانت تامّة إلّا أنّه لا أثر شرعي لهذا الاستصحاب ؛ إذ وجوب محتمل الباقي ، الذي هو المقصود من هذا الاستصحاب من اللوازم العقلية لبقاء الوجوب الكلّي ، المشترك بين وجوب المحتملين ؛ لأنّ الكلّي إذا كان له فردان فقط ، وفرضنا انعدام أحد فرديه فبقاء الفرد الآخر من اللوازم العقلية لبقاء ذلك الكلّي .
هامش
( * ) - لما تقدّم سابقا من أنّه لا فرق في نظر العقل - من حيث القبح - بين الترخيص في محتمل المعصية وبين ما هو معلوم المعصية ؛ إذ مناط الاثنين - بعد العلم الإجمالي وتنجّزه بالنسبة إلى متعلّقه وأنّه كالعلم التفصيلي في عالم التنجّز - واحد ؛ وهو حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني .