امتنان ، الذي هو شرط آخر لجريان البراءة ، فلا يمكن إجراء البراءة فيها .
وأمّا بالنسبة إلى عدم جعل الآخر عدلا له - أي عدم وجوبه - أو جعله عدلا - أي وجوبه - فإنّه - أي وجوبه - وإن كان مشكوكا ويشمله حديث الرفع وسائر أدلّة البراءة ، لكن رفعه خلاف الامتنان ؛ لأنّ رفع وجوبه يوجب الضيق على المكلّف .
مضافا إلى أنّه ينتج عكس المقصود من البراءة ؛ أي عدم تعيّنه ؛ لأنّ البراءة عن وجوب محتمل العدلية مستلزم لتعيّنه وعدم كونه واجبا تخييريا .
فالنتيجة : هي أنّ المرجع في هذه الصورة من صور الشكّ في التعيين والتخيير قاعدة الاشتغال ، لكن هذا الكلام مبني على أن يكون الوجوب في التعييني والتخييري سنخ واحد ، وخصوصية التعيينية تكون منتزعة من قبل عدم وجوب عدل له . أمّا لو قلنا بأنّ الوجوب فيهما سنخان ففي الواجب التخييري إرادة ناقصة مفادها سدّ باب أعدام الشيء ، إلّا في ظرف وجود ما هو عدل له ، وبعبارة أخرى : متكفّلة لحفظ وجود الشيء من قبل جميع أعدامه ، إلّا من قبل عدمه في ظرف وجود عدله . وأمّا في الواجب التعييني إرادة تامّة متكفّلة لحفظ وجود الشيء مطلقا ، ومن قبل جميع أعدامه ، بدون استثناء . فالمتعلّق في الواجب التعييني أوسع منه في الواجب التخييري .
وإن شئت قلت : إنّ الإرادة في الواجب التعييني أبسط من التخييري ، فالشكّ في أنّه تعييني أو تخييري مرجعه إلى الشكّ في تعلّق الإرادة بحفظ وجود الشيء ، حتّى في ظرف وجود ذلك الذي يحتمل أن يكون عدلا له .
وهذا ما اختاره أستاذنا المحقّق رحمه اللّه في الواجب التخييري ، فعلى هذا يكون مجرى البراءة . ونحن بيّنا عدم صحّة هذا المسلك في المجلّد الأوّل من
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 309
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٣٠٩