مثلا ليتوصّل إلى احضار ما ليس بمحسوس ولا ممكن الإحضار بالذّات بما هو ممكن الاحساس والاحضار ذاتا وذلك في إشارات الأخرس وحركاته أوضح ما يكون فانّ الغير باحساس تلك الأفعال والحركات منه ينتقل إلى مقصوده وهو أيضا انّما يوجد تلك الحركات آلات لابراز ما في ضميره ومن البديهىّ انّ تعيّن تلك الأفعال والحركات لهذه الجهة ليس مستندا إلى جعل جاعل ووضع واضع بل إلى تناسب ذاتىّ بين تلك الحركات والمرادات المنكشفة بها ولا خصوصيّة للأخرس أيضا في ذلك فانّ تطبيق الشفتين ووضع اليد عليها حركة مناسبة للسّكوت ذاتا وهكذا كلّ فعل بالإضافة إلى ما بإزائه ممّا يناسبه ولمّا كان الأسهل مئونة من بين الأفعال بحسب الايجاد والأضبط وقوعا في حس من قصد تفهيمه الأصوات تقدّمت على ساير الأفعال وتعيّنت لهذه الجهة طبعا وبالذّات كما تشاهده في الحيوانات حيث تظهر مقاصدها عند أبناء نوعها وغيرها بأصوات مختلفة باختلاف الأمور الّتى قصدت ابرازها ومن البديهىّ عدم كون ذلك منها مستندا إلى وضع وتعيين من واضع لا في أصل تعيّن الصّوت ولا في تعيّن كيفيته المخصوصة لنحو أو قسم خاص من مقصودها بل هو تعيّن طبعى ذاتي لتناسب وتشابه ذاتي بينهما مودع في جبلتها وفطرتها بعثها على الجرى بمقتضاها وان لم تكن شاعرة به أصلا فان الفطريات تقع معمولة بها وان لم يتنبّه بها ذووا الفطرة أصلا ألا ترى انّ الطّفل يرتضع ثدي امّه من دون تنبّه ولا تعلّم من أحد ولو سمّى واحد ذلك الهاما لم يكن به بأس فاصوات الحيوانات عند ابراز ما في ضمائرها بل جميع افعالها وحركاتها الصّادرة للتوصّل إلى اغراضها كلّها من هذا الباب وليس تعيّن كلّ فعل لجهة الّا لتناسب ذاتىّ طبعىّ فطرىّ وهكذا الإنسان في جميع افعاله وحركاته الصّادرة للتوصّل إلى اغراضه كتحريك رجليه للمشي ومدّ يديه للتّناول وغير ذلك فان كلّها فطريّات وجبليّات وليس تعيّن كلّ فعل لجهة بتعيين جاعل أو وضع واضع وانّما هو تعيّن ذاتي طبعىّ لتناسب بينهما بالطّبع والذّات وهكذا افعاله الدالة على مراداته كوضع يده على العين عند إفادة الامتنان أو عقد الحاجبين وتشزير العينين عند إفادة الغضب وغير ذلك فانّ لكلّ ذلك تعيّن ذاتىّ لتناسب ذاتي لا تعيّن جعلى كما هو بديهىّ ولا فرق بينه وبين الحيوانات بل هذه الجهة أصلا الّا انّ فطريّات الإنسان أكمل واتمّ لكمال ذاته وفطرته وبهذا البيان ظهر اجمالا انّ أصوات الإنسان عند ابراز ما في [ الضّمائر كاصوات الحيوانات عند ابراز ما في ] ضمائرها وكسائر افعاله في مقام التّفهيم وغيرها وانّ كيفيّات أصوات الإنسان الّتى هي الالفاظ الكيفيّات أصوات الحيوانات الّا انّ تلك أكمل واتمّ من هذه بمعنى انّها في الحقيقة كامل هذه واتمّها فكما انّ هذه فطريّات للحيوانات وتعيّناتها طبعيّة لا جعليّة لمناسبات ذاتيّة كذلك ألفاظ الإنسان وضعها وتعيّنها للمعاني طبعىّ لمناسبات ذاتية وان لم نعرف وجوه المناسبات على وجه التّفصيل أو استحال معرفتها فانّ عدم امكان معرفتها تفصيلا لا ينافي العلم اجمالا بكون وجه التّعين والوضع ذلك ولا يوجب
المقالات الغرية في تحقيق المباحث الأصولية — صفحة 174
مساهمون: الميرزا صادق المجتهد التبريزي
ص١٧٤