[ الأوّل : في تعيين الواضع ]
الأوّل قد عرفت حقيقة الوضع وانّما اختلفوا في تعيين الواضع ومحلّ الكلام هو اللّغات الأصلية لا الأعلام الموضوعة فانّ واضعها معلوم بالبداهة فقيل انّ الواضع هو اللّه وقيل بالهامه ونقل عن سليمان بن عبّاد انّ الوضع للمناسبة الذّاتية وما يحكى عنه انّ دلالة الألفاظ ذاتيّة مرجعه إلى ذلك اى كون وضعها وتعيّنها لمعانيها ذاتيّة فتكون دلالتها أيضا كذلك لاستنادها إلى الوضع ولعلّ مرجع القولين الأوّلين أيضا إلى مقالة سليمان لوضوح انّ اللّه تبارك وتعالى لم يضع الألفاظ لمعانيها بالمباشرة والّا لاخبر عنه الأنبياء ونقل عنهم نقلا شايعا كسائر ما أخبروا به من الأحكام والآداب والقصص وغيرها فليس نسبة إلى اللّه في لسان هذا القائل الّا كنسبة ساير الأمور اليه تعالى من نزول المطر وهبوب الرّياح ونموّ النّباتات وأمثال ذلك ممّا لا يحدث بمباشرة النّاس بل بالأسباب العاديّة والمقتضيات الطّبعيّة الجارية على مقتضى الخلقة الإلهيّة فإذا كان تعيّن الألفاظ لمعانيها بالطّبع من جهة مناسبات ذاتيّة مودعة في طبائعها من اللّه تبارك وتعالى كان من هذا الباب وهو عين مقالة سليمان فغرض ذلك القائل انّ الأوضاع ليست من مجعولات البشر وانّما هو امر حادث من جانب اللّه بأسبابه المقتضية له وهي تلك المناسبات الذّاتية وكذا من يقول انّها بالهام اللّه تعالى لا يريد انّ الالهام بنفسه احدث الوضع فانّه لا معنى ولا محصّل له ولا انّ نبيّا من الأنبياء باشر الوضع بالهام اللّه تعالى فانّ ذلك أيضا يفضى بالنّقل الشّائع من ذلك النّبى ص بل غرضه انّ الإلهام طريق الاطّلاع عليه وذلك لان تلك المناسبات الكامنة في طباع الحروف والألفاظ وإن كانت مودعة في جبلّة الإنسان وفطرته الّا انّها أمور خفيّة لا يعلمها ولا يحيط بها الّا علّام الغيوب ولا طريق للبشر إليها الّا الالهام من اللّه تعالى ولعلّ هذا عين مقالة سليمان إذ لم يدّع أزيد من مجرّد استناد الوضع إلى المناسبات الذّاتية وامّا حال تلك المناسبات وكيفيّة تفاصيلها فلا تعرض لها فيما حكى عنه وكيف كان فكون الوضع وتعين الالفاظ بإزاء المعاني لمناسبات كامنة في ذوات الحروف والالفاظ ممّا يقضى به الاعتبار الصّحيح وما يقال من انّ الواضع هو البشر بطلانه أوضح وأفحش من أن يذكر امّا اوّلا فلانّه لو كان لنقل عنه نقلا شايعا وقضت العادة بمعرفة ذلك الواضع بحيث لم يجهله أحد حتّى يقع هذا النّزاع في معرفته وتعيينه وامّا ثانيا فلانّه لولا المناسبة الدّاعية إلى التّعيّن لزم التّرجيح بلا مرجّح وامّا ثالثا فلانّ الوضع يتوقّف على تمييز المعنى عن جميع ما عداه تفصيلا وهو غير مقدور على البشر فانّ الإحاطة بالمعنى الواحد كذلك في الغالب غير ميسور على الأغلب فضلا عن جميع المعاني فانّ الإحاطة بها تفصيلا بحيث يتميّز كلّ منها عن الآخر تميّزا تفصيليّا يقصر دونها ادراك البشر ولا يمكن لغير اللّه جلّت قدرته سيّما على القول بعدم التّرادف والاشتراك في اللّغة كما هو الحقّ والصّواب ومن له خبرة بعلم اللّغة يعرف ما ذكرنا حقّ المعرفة فانّ المتامّل في العلم والفهم والكشف والإدراك والفقه والمعرفة واليقين والذّكاء والذّهن والشّعور والالتفات والإحساس والبصيرة والمهارة والحذاقة
و