تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح الأصول — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وأمّا إذا شك ، فحيث إنّه يرجع إلى الشّكّ في الحقيقة والمجاز ، وأنّ المعنى الكذائي حقيقيّ أو مجازيّ - بعد العلم بكونه مرادا للمتكلّم - فلا بدّ في تمييز المعنى الحقيقيّ عن المجازي من ذكر علائم الحقيقة وهي - على ما ذكروا - أمور : منها : التّبادر ، والمراد به انسباق المعنى إلى الذّهن من حاقّ اللّفظ ومتنه ، عاريا عن كلّ قرينة حاليّة أو مقاليّة ، متّصلة أو منفصلة ، جليّة أو خفيّة ، لا سرعة حصول المعنى في الذّهن أو سبقه بالنّسبة إلى معنى آخر ؛ والتّبادر بهذا المعنى هو المسمّى بالتّبادر الحاقّى . ولك أن تعرّف التّبادر : بكون اللّفظ ظاهرا بنفسه في معناه من غير قرينة ، فيكشف منه أنّ ذلك المعنى هو الموضوع له للّفظ دون غيره ، حيث إنّ دلالة اللّفظ على المعنى ، لا بدّ وأن تستند إمّا إلى المناسبة الذّاتيّة كالعلّيّة والمعلوليّة ، وقد عرفت - في مبحث الوضع - بطلانها ، أو إلى العلقة الوضعيّة أو إلى القرينة بأنحائها ، فمع عدم استنادها إلى القرينة رأسا وبالمرّة ، يعلم أنّها لأجل العلقة الوضعيّة . هذا ، ولكن أشكل على التّبادر بأنّه مستلزم للدّور . بتقريب : أنّ تبادر المعنى من اللّفظ ، يتوقّف على العلم بكونه معنى حقيقيّا له والعلم به - أيضا - يتوقّف على التّبادر ، كما هو المفروض . وفيه : أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن تغاير بين المتوقّف والمتوقّف عليه بوجه ، وأمّا إذا كان بينهما تغاير ولو بنحو الإجمال والتّفصيل ، فالدّور منتف رأسا ، والمقام من هذا القبيل ؛ إذ المتوقّف على التّبادر هو العلم التّفصيلى ، بأنّ هذا اللّفظ وضع بإزاء هذا المعنى ، وما يتوقّف عليه التّبادر هو العلم الإجمالي الارتكازي - الحاصل للإنسان الّذي ينشأ وينمو بين أهل اللّغة واللّسان - بمعنى اللّفظ الحاصل من علله ومبادئه .