تعتريه أنّه إذا قال المولى لعبده : اشتر اللحم ولا تشتر من زيد شيئا ، يفهم كلّ أحد التخصيص ويتبادر ذلك . وكذا إذا قال : اجلس يوم الجمعة في مكان إلى الغروب ، وقال : لا تدخل الحرم في ذلك اليوم .
وأيضا تعلّق كلّ من الأمر والنهي بشيء إمّا يكون بتعلّقه به بخصوصه ، أو بعامّ أو بكلّيّ يكون هو أحد أفراده ، وكما يشترط في الأخيرين أن يكون هذا الشيء فردا للعامّ أو الكلّي ، كذلك يشترط أن يكون هذا الشيء بحيث لم يعلم من الخارج أنّه لو سئل من الآمر والناهي عن تعلّق أمره ونهيه به أنكره وتحاشى عنه ، ولو علم ذلك لا يحكم بالتعلّق . ولا شكّ أنّه إذا أمر أحد بعامّ ونهى عن آخر ، بينهما عموم من وجه ، كأن يقول : أكرم العالم ولا تكرم الفاسق وسئل عن إكرام العالم الفاسق ، لا يقول : أكرمه ولا تكرمه . وكذلك إذا قال : اذهب إلى السوق ولا تركب وسئل عن الذهاب راكبا ، لا يجيب بقوله : اركب ولا تركب .
فإن قلت : تجيب بأنّك لو ذهبت راكبا امتثلت الأمر بالذهاب ولكن عصيت بالركوب .
قلنا - لعلّ هذا هو الذي أوقع بعضهم في الاشتباه ، فتأمّل - أوّلا : إنّ كلامنا كان في اجتماع الأمر والنهي ، لا الامتثال والعصيان والثواب والعقاب ، فإنّ هذه الأمور ليس إلّا من متفرّعات الأمر والنهي ، فما الباعث على ترك الأصل والأخذ بالفرع ، وهل هو إلّا لما في الأصل من عدم الصحّة البيّن وخفائه في الفرع ؟
وثانيا : إنّ الامتثال والعصيان مترتّبان على الأمر والنهي ، فاللازم أوّلا إثبات اجتماع الأخيرين ثمّ تفريع الأوّلين عليه . فإنّه ليس معنى الامتثال إلّا الإتيان بالمأمور به ولا العصيان إلّا بفعل المنهيّ عنه ، فثبوتهما فرع كون الفعل مأمورا به ومنهيّا عنه ، وكونه كذلك ليس إلّا أن يصحّ أن يقال : افعله ولا تفعله . وبعد عدم
مفتاح الأحكام — صفحة 114
مساهمون: المحقق النراقي
ص١١٤