تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم مصطلح الأصول — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
تزيد . فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية ، فيحلّ الفعل ولو كان في أصل مشروعيته حراما . واستدل على هذه القاعدة بثلاثة أدلة : الأول : إن التكاليف مشروعة لمصالح العباد ، ومصالح العباد الدنيوية هي نتيجة لأعمال العباد ، لأن أعمال العباد بالتأمل هي مقدمات لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسبّبات هي مقصودة للشارع والمسبّبات هي مآلات الأسباب ، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب ، وهو معنى النظر في المآلات . فلم يكن للمجتهد بدّ من اعتبار المسبّب وهو مآل السبب . الثاني : إن مآلات الأفعال إما أن تكون معتبرة شرعا ، وإما غير معتبرة . فإن اعتبرت فهو المطلوب وإلا أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادّة لمقصود تلك الأعمال . وذلك غير صحيح ، لأن التكاليف إنما هي لمصالح العباد ولا مصلحة تتوقع مطلقا ، مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد . وأيضا ، فإن ذلك يؤدي إلى ألا نتطلّب مصلحة بفعل مشروع ، ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع . وهو خلاف وضع الشريعة . الثالث : إن الأدلة الشرعية والاستقراء التام تدل على أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : الآية 21 ] وقوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : الآية 183 ] وقوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ البقرة : الآية 188 ] وقوله :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ الأنعام : الآية 108 ] . وحين أشير على الرسول عليه السلام بقتل من ظهر نفاقه قال : « أخاف أن يتحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » وكذلك قوله عليه السلام : « لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم » إلى آخر ما ورد من النصوص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعا ، لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة ، أو يكون العمل في الأصل ممنوعا ، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة . وبناء على هذه الأدلة الثلاثة قالوا بمآلات الأفعال ، ثم بنوا على هذه القاعدة قاعدة سد الذرائع ، كما بنوا عليها رفع الحرج ، وكذلك بني عليها قاعدة الحيل ، وقاعدة المصالح المرسلة . وبالتدقيق نجد أن كلام المتأخرين في الأخذ بهذه القواعد والتفريع عليها لم يكن عند المتقدمين بهذه الصّور ، بل هناك جملة وافرة من الاجتهادات مما لا يصح عن المتقدمين بهذه الصّور ، إذ خضعت عباراتهم إلى تأويلات فاسدة لم يكن من نسبت إليهم على علم بها ، ولا قائل بها