وقد يستشكل بأنّ جواز التقليد لكلّ بالغ عاقل إن كان بنحو القضيّة الخارجيّة بمعنى أنّ كلّ مكلّف كان موجوداً جاز له الرجوع إليه ، فهو لا يفيد بالنسبة إلى الموجودين بعد حياته في الأعصار المتأخّرة . وبعبارة أخرى :
الدليل أخصّ من المدّعى .
وإن كان بنحو القضيّة الحقيقيّة ، أي « كلّ من وجد في الخارج وكان مكلّفاً في كلّ زمان كان له تقليد المجتهد الفلاني » فإن أريد إجراء الاستصحاب التنجيزي فلا يمكن ، لعدم إدراك المتأخّرين زمان حياته ، فلا يقين بالنسبة إليهم ، وإن كان بنحو التعليق فإجراء الاستصحاب التعليقي بهذا النحو محلّ منع .
وفيه : أنّ جعل الأحكام على نحو القضيّة الحقيقيّة ليس معناه أنّ لكلّ فرد من مصاديق العنوان حكماً مجعولًا برأسه ، ومعنى الانحلال إلى الأحكام ليس ذلك ، بل لا يكون في القضايا الحقيقيّة إلّا جعل واحد لعنوان واحد ، لا جعلات كثيرة بعدد أنفاس المكلّفين ، لكن ذاك الجعل الواحد يكون حجّة بحكم العقل والعقلاء على كلّ من كان مصداقاً للعنوان ، مثلًا قوله تعالى : «
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
« 1 » ليس إلّا جعلًا واحداً لعنوان واحد هو «
مَنِ اسْتَطاعَ »
، ولكنّه حجّة على كلّ مكلّف يستطيع .
فحينئذٍ لو علمنا بأنّ الحجّ كان واجباً على من استطاع إليه سبيلًا وشككنا في بقائه من أجل طروّ النسخ مثلًا ، فلا إشكال في جريان استصحاب الحكم المتعلّق بالعنوان لنفس ذلك العنوان ، فيصير بحكم الاستصحاب حجّة على كلّ من كان مصداقه ، ولهذا لا يستشكل أحد في استصحاب عدم النسخ مع ورود هذا
هامش
( 1 ) - آل عمران ( 3 ) : 97 .