وبالجملة : فظاهر مثل قوله : « الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 1 » هو كون النجس منجّساً للماء الغير البالغ حدّ الكرّ وموجباً لنجاسته ، ومرجع ذلك إلى تأثيره شرعاً في نجاسة ملاقيه ، وأمّا الحكم بأنّ معنى الاجتناب عن النجس هو الاجتناب عنه وعمّا يلاقيه فلا وجه له وإن كان قد يستدلّ لذلك بقوله تعالى : «
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ »
« 2 » لأنّ التهجر عن النجاسات لا يتحقّق إلّا بالتهجّر عن ملاقيها ،
وبرواية جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه أتاه رجل فقال له : وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت ، فما ترى في أكله ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : « لا تأكله » ، فقال الرجل : الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من أجلها ، فقال أبو جعفر عليه السلام : « إنّك لم تستخفّ بالفأرة ، وإنّما استخففت بدينك ، إنّ اللَّه حرّم الميتة من كلّ شيء »
« 3 »
. وجه الدلالة أنّه عليه السلام جعل ترك الاجتناب عن الطعام استخفافاً بتحريم الميتة ، ولولا استلزامه لتحريم ملاقيه لم يكن أكل الطعام استخفافاً بتحريم الميتة ، فوجوب الاجتناب عن شيء يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيه .
أقول : أمّا قوله تعالى : «
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ »
فنمنع أوّلًا أن يكون المراد بالرجز هي الأعيان النجسة ، وثانياً كون المراد بالتهجّر هو التهجّر عنه وعمّا يلاقيه .
هامش
( 1 ) - راجع وسائل الشيعة 1 : 158 - 159 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 9 ، الحديث 1 و 2 و 5 و 6 .
( 2 ) - المدثّر ( 74 ) : 5 .
( 3 ) - تهذيب الأحكام 1 : 420 / 1327 ، وسائل الشيعة 1 : 206 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المضاف ، الباب 5 ، الحديث 2 .