الشديد ، الذي جرت العادة أن يسمّى قتلا ، مجازا ؛ ولا أن يقول « رأيت حمارا » ، وهو يريد رجلا بليدا ، من غير دلالة تدلّ على ذلك . وبهذا المعنى بانت الحقيقة من غيرها ؛ لأنّ الحقيقة تستعمل بلا دليل ، والمجاز لا بدّ له من دليل . وليس تأخير بيان المجمل جاريا هذا المجرى ، لأنّ المخاطب بالمجمل لا يريد به إلّا ما هو حقيقة فيه ، ولم يعدل به عما وضع له . ألا ترى أنّ قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
( سورة التوبة 103 ) ، أراد به قدرا مخصوصا ؛ فلم يرد من اللفظ إلّا ما هو اللفظ بحقيقة موضوع له . وكذلك إذا قال : « له عندي شيء » ، فإنّما استعمل اللفظ الموضوع في اللّغة للاجمال فيما وضعوه له . وليس كذلك مستعمل لفظ العموم ، وهو يريد الخصوص ؛ لأنّه أراد باللفظ ما لم يوضع له ، ولم يدلّ عليه دليل .
الثاني : أنّ جواز ( 1 ) التأخير يقتضي أن يكون المخاطب قد دلّ على الشئ بخلاف ما هو به ، لأنّ لفظ العموم مع تجرّده يقتضي الاستغراق . فإذا خاطب به مطلقا لا يخلو من أن يكون دلّ به على الخصوص وذلك يقتضى كونه دالّا بما لا دلة فيه أو يكون قد دل به على العموم ، فقد دلّ على خلاف مراده ، لأنّ مراده الخصوص ، فكيف يدلّ عليه بلفظ العموم ؟
فان قيل : إنّما يستقرّ كونه دالّا ، عند الحاجة إلى الفعل .
هامش
( 1 ) قوله : الدليل الثاني ان جواز الخ ،
الفرق بين هذا والدليل الأول ان مناط الأول انه يقبح من الحكيم عدم الدلالة على ما هو مراد من الخطاب وعدم نصب دليل عليه مع مرجوحية فهمه من الخطاب ومناط هذا الدليل انه يلزم من أن المخاطب أي المتكلم ارتكب وقصد دلالة على شيء على وجه غير صحيح لأنه ان قصد بلفظ العموم الدلالة على الخصوص فقد قصد من اللفظ ما لا يتأتى منه افادته وهذا قصد للدلالة على وجه غير صحيح وان قصد الدلالة على العموم فقد قصد الدلالة على شيء لا يريده وهو أيضا غير صحيح .