نعم : بعض الأحكام الوضعية ربّما تكون مجعولة من جانب الشرع مسبوقةً بفعل تكويني أو بسبب اعتباري كالعقد ، فالأوّل كجعل الضمان بعد التلف عن تقصير أو الإتلاف ، وكحقّ السبق والتحجير عند تحقّقهما ومالكيّة الرهان بعد السبق بالخف والحافر ، أو الإصابة للهدف في الرماية بالسهم ، والملكيّة بعد الإحياء .
والثاني كالضمان بعد عقده ، والكفالة بعد إنشائها .
بقي هنا أُمور لا بدّ من التنبيه عليها :
1 إنّ الحجّية بمعنى إفاضة صلاحية الاحتجاج للشيء ، بعد ما لم يكن حجّة ، ممّا تصحّ جعلها مستقلًا ، فإذا قال : خبر الثقة حجّة ، أو ما أدّيا عنّي ، فعنِّي يؤدّيان ، فقد جعله حجّة على وجه الاستقلال ، كما يصحّ انتزاعها من جعل الآثار الملازمة لحجّيته ، كإلزام العمل به والإجزاء في مقام الإطاعة .
2 إنّ التنجّز والتعذّر من الأحكام العقليّة ، فلو كان البيان واصلًا ، يكون الحكم منجّزاً ولا يمكن أن لا يكون منجّزاً إذا كان البيان واصلًا ، ومعه لا حاجة إلى جعله ، وإن لم يكن واصلًا ، فلا يتنجّز بحكم العقل فالتنجّز وعدمه يدوران مدار الوصول وعدمه .
3 الكاشفية والطريقية من الأُمور التكوينية لا تنالها يد الجعل لا أصالة ولا تبعاً . ولا معنى لاعتبار الطريقية لما ليس طريقاً ، أو لتتميم كاشفيته أو طريقيته اعتباراً ، وإن كان الاعتبار خفيف المئونة . ولكنّه لا ينفكّ عن ملاك عقلائي .
4 الطهارة والنجاسة تطلقان على النظيف والقذر بالذات ، فهما بهذا المعنى من الأُمور التكوينية الخارجة عن حدود الجعل الاعتباري ، قال سبحانه : (
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
) ( الفرقان / 48 ) .
وقال سبحانه : (
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
) ( البقرة / 57 ) . وأمّا الطهارة