سواء كان عمل نفسه أو عمل غيره ، إذا كانت صورة العمل غائبة عن الذهن ، وهي متحقّقة في فعل الغير مطلقاً ، وفي فعل النفس عند التجاوز عن المحلّ أو بعد الفراغ عن العمل ، على اختلاف في أنّهما قاعدتان أو قاعدة واحدة ، وأمّا وجه الحمل فسيوافيك بيانه .
الأمر الثاني : إنّ لأصالة الصحّة في حقّ الغير معنيين
الأوّل : حسن الظنّ بالمؤمن والاعتقاد الجميل في حقّه ، من دون أن ينسبه إلى اعتقاد فاسد ، أو صدور عمل محرّم منه أو فاسد . وهذا من الوظائف الإسلامية التي يدعو إليها القرآن والسنّة ، قال سبحانه : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
) . ( الحجرات / 12 ) وقال سبحانه فيما أوصى به بني إسرائيل وأخذ منهم الميثاق عليه : (
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
) . ( البقرة / 83 ) والاستدلال مبنيّ على تفسير الظنّ والقول بالاعتقاد وهو غير ظاهر . والظاهر أنّه تعالى أمر بحسن المعاشرة مع عامّة النّاس من غير فرق بين ذوي النسب وغيرهم ، غاية الأمر أنّ حسن المعاشرة مع أصحاب الأنساب بالإحسان إليهم ، ومع غيرهم بحسن الكلام . ولأجل ذلك غيّر أُسلوب الكلام حيث أمرهم بالإحسان في حقّ الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين ، ولمّا لم يمكن ذلك في حقّ عامّة الناس ، أمر بحسن السلوك معهم وبالقول الحسن عند المعاشرة وكان قوله تعالى : (
حُسْناً
) وصف لموصوف محذوف أي ( قولًا حسناً ) .