2 إنّ تقديم الاستصحاب على القاعدة يستلزم لغوية تشريعها ، لأنّ موردها لا يخلو من حالات ثلاث : إمّا أن تكون الحالة السابقة مستلزمة للفساد ، أو للصحّة ، أو تكون مجهولة لأجل تعاقب الحالتين كما إذا توضّأ وأحدث ولم يعلم المتقدّم منهما ولا المتأخّر ولم تكن الحالة السابقة عليهما معلومة فانّ الاستصحاب لا يجري لأجل التعارض ، فإن كانت مقتضية للفساد كما هو الغالب في موردها ، كالشكّ في الإتيان ، أو الإتيان على الوجه الصحيح ، فلو قدّم الاستصحاب ينحصر مورد القاعدة بالقسمين الأخيرين ، وفي القسم الثاني لا حاجة إلى القاعدة لأنّ الأصل مقتضي للصحّة ، كما إذا شكّ في الطهور مع كون الحالة السابقة هو الطهارة فينحصر موردها بالقسم الثالث . وهو ما إذا جهلت الحالة السابقة لأجل تعاقب الحدث والطهور ، ولم يعلم المتقدّم من المتأخّر . وهو فرد نادر ، ولا يسوّغ تشريع قاعدة على التفصيل الذي لاحظته عند فرض الروايات .
3 إنّ لسان روايات القاعدة ، هو نفي الشكّ ، ولسان الاستصحاب هو الحكم مع فرض وجود الشكّ ، فتقدّم عليه ، من باب الحكومة . وقد عرفت قوله ( عليه السلام ) : » إنّما الشكّ في شيء لم تجزه « ، أو قوله عليه السلام : » فشكّك ليس بشيء « فمفادها أنّه إذا جاوزت ، ليس لك شكّ ، إذ لا يترتّب على شكّك أيّ حكم ، ومثل هذا يقدّم على قوله : » لا تنقض اليقين بالشكّ « الذي يفترض فيه اليقين والشكّ موجودين ، ولكن يقدّم الأوّل على الثاني ، فالقاعدة تعدم ادّعاءً موضوع الأصل وأنّه ليس هنا شكّ حتّى يترتّب عليه تقدّم اليقين ، وهذا ما يعبّر عنه بالحكومة مثل قوله عليه السلام : » لا شكّ لكثير الشكّ « أو » لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم « أو أنّه : » لا ربا بين الوالد والولد . والزوج والزوجة « .
فإن قلت : إنّ شرط الحكومة كون تشريع الحاكم لغواً ، لولا المحكوم كقوله عليه السلام : » إذا شككت فابن على الأكثر . . . « لكونه شارحاً له بمدلوله
المحصول في علم الاُصول — صفحة 344
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤٤