لم يبلغه البيان ، يستكشف بحكم الملازمة الحكم الشرعي المناسب للمقام .
وهذا الوجه غير الوجه السابق ، فإنّ الأساس في الوجه السابق هو إدراك العقل ملاكات الأحكام فيما يعود إلى حياة الانسان في عاجله وآجله ، ولكن الأساس لهذا الدليل هو استقلال العقل بحسن شيء أو قبحه وأنّ هذا الفعل حسن مطلقاً في الدنيا والآخرة ، سواء كان الفاعل واجباً أو ممكناً ، كانت هناك مصلحة أم لا ، مثلًا الخيانة للأمانة وردّ الإحسان بالإساءة ممّا يستقلّ العقل بقبحهما على الإطلاق ، فيستكشف أنّ الحكم عند الشرع أيضاً كذلك .
وقد شغلت هذه المسألة بال الأشاعرة من السنّة والأخباريين من الشيعة ، أمّا الطائفة الأُولى فقد أنكروا إدراك العقل حسن الفعل وقبحه ، وخرجوا بهذه النتيجة :
لا يمكن للعقل أن يقف على حسن الفعل وقبحه ، وحسبوا أنّ العقل عاجز في ذلك المجال ، وأمّا الطائفة الثانية فقد صدّقوا استطاعة العقل بدرك الحسن والقبح ، ولكنّهم أنكروا إمكان استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بحجّة أنّ الحكم الشرعي يمكن أن يكون مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود ، فلا يمكن لنا استكشاف الحكم الشرعي الفعلي منه .
يلاحظ على قول الأشاعرة : ما حقّقه أكابر العدلية من أنّ إنكار استطاعة العقل واستقلاله على إدراك حسن الأفعال وقبحها ، مكابرة محضة ، يقوله القائل بلسانه وينكره في قلبه ، وأمّا الثاني أي إنكار الملازمة فإنّما يرجع إلى إنكار استقلال العقل بحسن الشيء على وجه الإطلاق وقبحه كذلك ، فإنّ المفروض أنّ العقل حينما يلاحظ العدل مجرّداً عن كلّ شيء ، يستقلّ بحسنه ، فكيف يمكن أن يكون الحكم الشرعي مشروطاً بشرط غير حاصل أو مقروناً بمانع موجود ؟ فاحتمال اشتراط الحكم الشرعي على النحو الذي ذكره ، رجوع عن الحكم باستقلال العقل
المحصول في علم الاُصول — صفحة 86
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٨٦