الأوّل العثور على ملاكات الأحكام :
اتّفقت العدلية على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، خلافاً للأشاعرة فإذا وقف العقل على أنّ الصدق في مقام ضارٌّ لاستلزامه هلاك إنسان وأنّ الكذب نافع لاستلزامه نجاته ، يستكشف من حديث التبعية حرمة الأوّل ووجوب الثاني ، وربّما يردّ هذا الوجه تارة بإنكار الضابطة المسلّمة عند العدلية وأُخرى بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ولو في نفس الأمر والنهي ، ولكنّ الأوّل ضئيل جدّاً لاستلزامه كون إرادته سبحانه إرادة جزافية والثاني لا يضرّ بالمقام ، لأنّه إذا كان وجود المصلحة والمفسدة في نفس الأمر والنهي كافياً في تشريع الحرمة والوجوب ، فكونهما في المتعلّق يكفي بطريق أولى .
نعم الذي يردّ هذا الوجه هو عدم إحاطة العقل بالمصالح والمفاسد والمزاحمات والموانع ، لقصوره عن الإحاطة . ويشهد على ذلك : أنّ المندوبين الخبراء يضعون قوانين في مجلس الشورى ثمّ يظهر بعد فترة من الزمان أنّ المصلحة كانت في خلافه ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قصور الإنسان عن الإحاطة بالمصالح والمفاسد ، وإلى ذلك ينظر قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : » ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال « أو : » إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس « « 1 » .
نعم يصح للخبراء وضع قوانين حكومية مؤقتة تلو الوقوف على مصالح ومفاسد ، لا أحكاماً دائمية غير قابلة للنسخ حتى لو تبيّن الخلاف .
الثاني : أن يستكشف الحكم الشرعي من استقلال العقل بالحسن والقبح ،
فإذا استقلّ العقل بحسن حفظ النظام وقبح تكليف غير المميز أو المعدوم أو من
هامش
( 1 ) - الكافي : ج 1 ، كتاب فضل العلم ، باب البدع ، الحديث 7 .
والوسائل : ج 18 ، الباب 6 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 18 .