الثالث : عقد القلب على حكم الشيء :
الذي يمكن أن يكون محطّ البحث ، هو وجود عقد القلب على حكم الشيء عند قيام الدليل ، فإذا قام الدليل على وجوب الشيء أو حرمته سواء كان توصلياً أو قربياً يجب وراء العمل ، عقد القلب على حكمه والاتيان به ، فلو كان هذا هو محطّ البحث فقد عرفت أنّه قهري الحصول عند قيام الدليل وممتنع الحصول عند عدم قيام الدليل على الحكم .
نعم يصحّ الأمر بعقد القلب على الحكم ، بمعنى تحصيل سببه ومقدمته ، وهو العلم بالحجج الشرعية التي تورث ذلك ولكن ليس ما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على وجوب عقد القلب بالأحكام أوّلًا ، والأمر بتحصيل العلم بالأحكام الشرعية وإن كان موجوداً ، لكن الغاية منه هو تحصيل العلم لأجل العمل لا عقد القلب ثانياً .
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر وجوب الموافقة الالتزامية بقوله : موافقة الحكم التزاماً والتسليم له اعتقاداً وانقياداً ، وما ذكره إنّما ينطبق على المعنى الأوّل ، وقد عرفت خروجه عن محطّ البحث إلّا أن يريد من قوله » موافقته التزاماً « هو عقد القلب ، ويظهر ذلك أيضاً من كلام تلميذه المحقق الأصفهاني حيث وجه وجوب الموافقة الالتزامية بقوله :
» الانسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب لكنّه لا ينقاد له قلباً ولا يُقرّ به باطناً وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته ، خوفاً من سوطه وسطوته ، وهكذا حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا ، حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيقته كما نطق به القرآن ، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً ، ولا مقرّين له باطناً ، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة « « 1 » .
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية : ج 2 ص 26 .