ولكن أتى بالعمل لأغراض دنيوية ، ولكن الاكتفاء بمجرد العمل في هذا القسم لا يُعنى عدم وجوب التسليم والانقياد للّه سبحانه في مجاله ، بل يُعنى أنّه لا يجب وراء ذلك شيء ( التسليم ) على وجه الإجمال في مقام العمل ، سوى نفس الإيجاد ، وأنّه يكفي أن يكون الباعث الأغراض الدنيوية ، بخلاف القربيات ، فيجب فيها وراء الانقياد القلبي الإجمالي ، ووراء نفس الإيجاد ، الإتيان به بباعث إلهي .
3 إنّ عقد القلب على الوجوب والحرمة رهن حصول مبادئ ومقدمات تورث ذلك العقد ، ولولاها لما أمكن لمتشرّع أن يعتقد بوجوب شيء أو حرمته . فعقد القلب بوجوب شيء ، وإن كان أمراً اختيارياً ، لأجل اختيارية مبادئه ، لكنّه ليس قابلًا للأمر والنهي ، قبل حصول مبادئه أو بعدها . أمّا قبل حصولها فالامتناع واضح ، وأمّا بعد تحقق المبادئ يكون قهري الحصول ، فلو فرض ورود أمر به ، فمعناه تحصيل ما يورث ذلك من الحجج والبراهين التي تورث اليقين ، وبعبارة أُخرى : المقصود من الأمر بالمسبب ( عقد القلب ) هو تحصيل سببه .
ولأجل ذلك لو لم يكن هناك علم تفصيلي بالحكم سواء كان هناك علم إجمالي أو لا ولم يتمكّن المكلف من كشف الواقع ، لا يصحّ بعث المكلّف إلى عقد القلب بالحكم الإلهي لعدم حصول مقدّماته .
وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه : (
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
) ( النمل / 1413 ) .
والآية تفيد أمرين :
أ : أنّ قيام الحجج والبراهين الواضحة يورث العلم بالواقع سواء أراده الإنسان أم لم يرده كما يقول : (
وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
) .