وأمّا القول الثالث : أعني : كون الحكم الظاهري هو التخيير شرعاً فقد استدل عليه بما يلي :
ما ورد في الأخبار المتعارضة من الأمر بالتخيير « 1 » ابتداءً أو عند فقد الترجيح من غير فرق بين مطلق الخبرين المتعارضين أو خصوص ما دلّ أحدهما على الوجوب والآخر على الحرمة .
يلاحظ عليه : أنّ المقصود من التخيير في المقام هو التخيير في المسألة الأُصولية أي الإفتاء بأحدهما وموضع الروايات ما إذا دار الأمر بين المحذورين لأجل تعارض النصّين ، لا في مورد فقدان النص أو إجماله أو الشبهة الموضوعية والتعدّي من مورد التعارض إلى مطلق الدوران وتفريع الإفتاء بأحدهما مطلقاً ، قياس لا نقول به .
فإن قلت : إنّ مناط التخيير هو كون الخبرين منشأ لوجود احتمالين ، وهو موجود في المقام . أضف إليه أنّه إذا جاز الأخذ بأحد الحكمين في مقام الإفتاء فيما إذا لم يعلم مطابقة أحدهما للواقع كما في مورد الخبرين المتعارضين لاحتمال كذب كليهما ، لجاز فيما إذا علم قولان نعلم بمطابقة أحدهما للواقع بطريق أولى .
قلت : إنّ تنقيح المناط أو ادّعاء الأولوية إنّما يصحّ إذا لم تكن الخصوصية محتملة المدخلية ، والحال أنّه من المحتمل أن يكون لقيام الحجّتين دخل في الأمر بالتخيير ، حيث إنّ الخبرين حجّتان كاملتان وليس في البين سوى التعارض ، بخلاف المقام إذ ليس في المقام سوى العلم بواحد من الحكمين .
ثمّ إنّ المحقّق النائيني أورد على هذا القول ما هذا حاصله : أنّ التخيير إمّا شرعي واقعي ( كخصال الكفّارات ) أو ظاهري كالتخيير في باب تعارض الطرق والأمارات . وإمّا عقلي كالتخيير الذي يحكم به في باب التزاحم والكلّ في المقام
هامش
( 1 ) - الوسائل : ج 18 ، الباب 12 من أبواب صفات القاضي وقد ادّعى الشيخ تواتره وهو بعد غير ثابت .