أمر وجودي يغايره فهما ضدّان ، لا أعم وأخص مطلقاً ، ويشهد على ما ذكر مضافاً إلى التبادر أنّه سبحانه جعل الميتة في آيتي الأنعام والنحل مقابلًا لما أُهلَّ لغير اللّه به ، والمراد منه ما ذكّي باسم غيره سبحانه ، فهو مغاير للميتة حسب السياق ، فكيف المذكى الذي ذكر فيه اسم اللّه ، ومع ذلك كيف يمكن القول بأنّ الميتة أعم تشمل جميع ما زهق روحه بأي وجه وشكل كان . قال سبحانه وتعالى : (
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
) ( الأنعام / 145 ) ومثله ما ورد في سورة النحل الآية 115 « 1 » .
فإن قلت : ما ذا تقول في الاستثناء الوارد في سورة المائدة حيث إنّه سبحانه بعد ما ذكر حرمة الميتة والدم إلى أن انتهى إلى حرمة (
وَما أَكَلَ السَّبُعُ
) فقال : (
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
) فإذا كان الاستثناء راجعاً إلى صدر الآية وكان الاستثناء متصلًا يكون دليلًا على عمومية الميتة للمذكّى أيضاً غاية الأمر يكون في الحكم خارجاً عن تحت العام .
قلت : الظاهر أنّ الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة ، أعني : (
وَما أَكَلَ السَّبُعُ
) فأخرج ما إذا أمكن تذكيته بعد أكل السبع كما إذا كان الروح باقياً .
2 إنّ الحرمة والنجاسة كما تعلّقت بالميتة ، فهكذا تعلّقت بغير المذكّى ، ولا يحتاج في إثباتهما للمشكوك إلى إدخاله تحت عنوان الميتة ، بل يكفي نفي عنوان كونه مذكّى .
ويشهد لما ذكرناه ملاحظة الآيات « 2 » . وتتبّع الروايات ، ولا منافاة في ترتّب
هامش
( 1 ) - قال سبحانه : (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . .) .
( 2 ) - مثل قوله : (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) الظاهر في أنّ المحرم إنّما هو لحم الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية واقعاً أو بطريق شرعي . وقوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ( الانعام / 121 ) وقوله تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ) ( الانعام / 118 ) وقوله ( عليه السلام ) في موثقة ابن بكير : إذا كان ذكيا وذكاه الذابح ، إلى غير ذلك من الأخبار .