3 الاستدلال بالعقل :
واستدل الأخباري على الاحتياط بدليل العقل ويقرّر بوجوه :
الأوّل : ما ذكره الشيخ الأعظم : انّا نعلم إجمالًا قبل مراجعة الأدلّة بمحرّمات كثيرة يَجب بمقتضى قوله تعالى : (
وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
) ( الحشر / 7 ) ونحوه الخروج عن عهدة تركها على وجه اليقين بالاجتناب أو اليقين بعدم العقاب لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية . وبعد مراجعة الأدلّة والعمل بها لا يقطع بالخروج عن جميع تلك المحرّمات الواقعية . فلا بدّ من اجتناب كلّ ما يحتمل أن يكون منها إذا لم يكن هناك دليل شرعي يدلّ على حلّيته إذ مع هذا الدليل نقطع بعدم العقاب على تقدير حرمته واقعاً « 1 » .
وهذا التقرير أوفق بمذهب الأخباري من تقرير المحقّق الخراساني حيث أدخل فيه محتمل الوجوب مع أنّه لا يجب فيه الاحتياط اتفاقاً .
وأجاب عنه المحقّق الخراساني بقوله : إنّ العقل وإن استقلّ بذلك إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي ، وقد انحلّ هاهنا فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالًا ، كذلك علم إجمالًا بثبوت طرق وأُصول معتبرة مثبتة للتكليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد ، وحينئذٍ لا علم بتكاليف أُخر غير التكاليف الفعلية في الموارد والمثبتة للتكليف من الطرق والأُصول العملية « 2 » .
ويمكن أن يقال : إنّ الانحلال الحقيقي إنّما يتحقّق فيما إذا كان ثبوت التكليف في طرف ، نافياً لوجوده في الطرف الآخر . كما إذا قامت الأمارة بوجوب الجمعة ، فيدلّ على عدم التكليف في ناحية الظهر للعلم بعدم وجوب صلاتين في ظهر يوم واحد ، بخلاف المقام فإنّ ثبوت التكاليف في مورد الطرق والأُصول المثبتة للتكليف لا ينفي ثبوت الحكم في غيرها فلا ينحلّ العلم الإجمالي .
هامش
( 1 ) - فرائد الأُصول طبعة رحمة اللّه ص 212 .
( 2 ) - الكفاية : ج 2 ص 187185 .