الأمر الرابع : قد عرفت حكم القسم الثاني من الأُصول الاعتقادية وأنّه لا يجوز العمل بالظن فيها ،
إنّما الكلام في القسم الأوّل ، أي فيما يجب معرفته عقلًا ، أو شرعاً ، كالاعتقاد بالمعاد الجسماني ، فهل يجوز العمل بالظن فيه أو لا ؟ يقع الكلام في موردين :
الأوّل : في المتمكّن من العلم .
الثاني : في العاجز .
أمّا المورد الأوّل : فلا يكفي قطعاً ، لأنّ المعرفة الظنّية ليست بمعرفة ، والظانّ بعد غارق في لجج الجهل ولم يخرج من سجن الظلمة إلى فسيح النور ، فلا إشكال في لزوم معرفته إذا أمكن . وكما لا يكفي الظن ، لا يكفي اتباع قول الغير ، لأنّه لا يسمّى معرفة وعرفاناً ، وأدلّة جواز التقليد ، راجع إلى ما يكون المطلوب فيه العمل ، لا العقيدة والعرفان ، وهذا هو القدر المتيقّن من الآيات الذامّة للتقليد والاقتداء بطريق الآباء والأجداد ، مثل قوله : (
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
) ( الزخرف / 23 ) .
نعم يكفي نفس اليقين والعلم سواء حصل عن استدلال أو لا ، لأنّ المطلوب فيها هو العلم واليقين من دون نظر إلى أسبابه ، وليس الاستدلال والنظر واجباً نفسياً وإنّما هو طريق لحصول العلم .
وأمّا المورد الثاني : أعني : غير المتمكّن من العلم وهو من كان جهله عن قصور وغفلة ، كما هو المشاهد في كثير من النسوان والرجال ، فهو غير مكلّف بتحصيله ، لاستقلال العقل بقبح التكليف بغير المقدور ، وهذا ما يعبّر عنه بالجاهل القاصر ، فالقصور مستند إمّا إلى قلّة الاستعداد وغموض المطالب ، أو وجود الغفلة وعدم احتمال خلل في معتقده .
نعم إنّما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحقّ إذا لم يكن يعانده ، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله .