النقض في كلّ منهما بمقتضى الاستصحاب ، ينافي لوجوب النقض في البعض كما هو مقتضى العلم الإجمالي ، وإن شئت قلت : يلزم التناقض بين الصدر والذيل فإنّ لازم قوله » لا تنقض « هو الحكم ببقاء الحالة السابقة ، ولكن مقتضى قوله : » ولكن تنقضه بيقين آخر « هو عدم الحكم به بناءً على أنّ المراد من الذيل هو الأعم من الإجمال والتفصيل .
فلو قلنا بأنّ المانع ذاك ، فلا يجري الأصل المثبت من الاحتياط والاستصحاب حول المشتبهات ، حتّى ما إذا كان موافقاً للاحتياط لأنّ نفس العلم إجمالًا بأنّ الحالة السابقة ارتفعت في بعض الأطراف مانع ، وإن لم تكن هناك مخالفة عملية .
ثمّ إنّ المحقق الخراساني حاول تصحيح جريان الاستصحاب حتّى على مبنى الشيخ ، قائلًا بأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعلياً ، وأمّا إذا لم يكن كذلك ، بل لم يكن الشك موجوداً بالفعل إلّا في بعض أطرافه ، وكان بعض أطرافه الأُخر غير ملتفت إليه أصلًا ، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام ، فلا يكاد يلزم ذلك ، فإنّ قضية لا تنقض ليست حينئذ إلّا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك وليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له .
يلاحظ عليه : أنّ العلم بالانتقاض وإن لم يكن حاصلًا عند الاستنباط ، غير أنّه موجود بعد الفراغ من استنباط معظم الأحكام ، فإنّه عندئذ يقف على انتقاض الحالة السابقة في كثير من الاستصحابات فلا يصحّ له أن يفتي بمضمونها .
فالحق أنّه على مسلك الشيخ لا يجري الاستصحاب المثبت للتكليف .
المحصول في علم الاُصول — صفحة 304
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٠٤