الأمر الثاني : في التجرّي
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً :
الأوّل : التجرّي من الجرأة ومقوّمه إرادة مخالفة المولى سواء أكانت هناك مخالفة أم لا ، كما أنّ مقوّم الانقياد هو إرادة الموافقة سواء أكانت هناك موافقة أم لا ، ولكن الاصطلاح جرى فيهما على غير ما يتبادر منه في اللغة ، فالتجرّي هو مخالفة الحجّة الشرعية أو العقليّة حسب الاعتقاد ولم تكن في الواقع مخالفة ، كما أنّ الانقياد إرادة إطاعة المولى حسب الاعتقاد ولكن لم تكن في الواقع أيّة إطاعة ، وذلك كما إذا قطع بخمرية مائع أو قامت الحجّة عليها فشربه فكان خلّا ، أو أذعن بوجوب شيء أو قامت الحجّة عليه فأتى به ولم يكن في الواقع واجباً . وبالجملة : فمخالفة الحجّة بالمعنى اللغوي هو التجرّي إذا لم تصادف الواقع ، وموافقة الحجّة بهذا المعنى هو الانقياد إذا لم يكن في الواقع كذلك .
وبذلك تبيّن أنّ التجرّي لا يختص بمخالفة القطع ، بل يعمّ مخالفة البينة أو الحجّة الشرعية ، مثل الاستصحاب إذا قام على خمرية شيء أو غصبيته فخالف فبان أنّه لم يكن كذلك ، بل يعمّ ما إذا خالف التكليف المنجّز عقلًا ولكنّه خالف احتمالًا كما إذا ارتكب أحد أطراف العلم الإجمالي فالجامع هو