تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحصول في علم الاُصول — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
ذلك إذا وقفنا على أنّه ظهر في أوائل القرن الرابع لون جديد من كتابة الفقه والفتيا وهو الإفتاء بمضمون الرواية مع حذف أسنادها ، وقد تعرّفت على الذين كتبوا على هذا النمط ، وأنّ الصدوقين وشيخ الأُمة المفيد ، وتلميذه الأكبر شيخ الطائفة الطوسي يعدّون من تلك الطبقة الفاضلة ، فأفردوا كتباً في ذلك المجال بتجريد الروايات من الأسانيد والإفتاء بمتونها . فإذا رأينا اتفاق كلمة تلك الطبقة على مسألة من المسائل ، كشفنا عن وجود نص صريح وصل إليهم وأفتوا بمضمونه ، وأنّ النص كان بمرحلة من التمامية من حيث السند والدلالة حتى دعاهم إلى الإفتاء بمضمونه قاطبة . وعندئذ تدخل الشهرة الفتوائية المجردة في القسم الثاني من أقسام الشهرة ، أعني : الشهرة العملية ، لأنّها إذا كانت العملية عبارة عن شهرة الرواية مع العمل والإفتاء بمضمونها ، تكون الشهرة الفتوائية في المسائل المتلقاة عن الأئمّة نظيرة لها ، فإنّ إفتاء تلك الطبقة بشيء قاطبة تلازم كلا الأمرين : وجود الرواية الواصلة إليهم وإن لم تصل إلينا ، والإفتاء بمضمونها . فعند ذلك تشملها المقبولة بلفظها أو بمناطها . نعم ربّما يقال : إنّ اتفاقهم على الإفتاء بمضمون الرواية يكشف عن كمالها من حيث السند والدلالة عندهم لا عندنا ، إذ من المحتمل أنّه لو كانت وصلت الرواية إلينا لم تكن تامّة عندنا من كلتا الجهتين ، ولكنّه احتمال ضعيف فإنّ مكانتهم العلمية وقرب عهدهم بزمن المعصومين ( عليهم السلام ) وتعرّفهم على رجال الحديث ، يورث الاطمئنان بصدور الحديث أوّلًا ، وتمامية دلالته ثانياً ، ولا يكون الاطمئنان الحاصل في ذاك المورد بأقلّ من الحاصل من خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره أو بصدقه . ولو أسلمنا ذاك الاحتمال ولكن الشهرة على هذا النمط ، يصد الفقيه المتورّع عن الإفتاء على خلاف الشهرة المحققة عند القدماء على البيان الذي عرفته .
المحصول في علم الاُصول — صفحة 213 | الشيخ جعفر السبحاني