فعند ما خالفت الأمارة ، يلزم اجتماع الإرادة والكراهة والحبّ والبغض ، وإن وافقت يلزم اجتماع الإرادتين أو الحبّين ، وليست هذه الأُمور من الأُمور الاعتبارية حتّى يجوز اجتماعهما ، بل من الأُمور الحقيقية .
وإن شئت قلت : إنّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالأحكام الواقعية ، فلو تعلّقت أيضاً بالأحكام الظاهرية سواء أوافقت الواقع أم خالفت ، لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين ، أو المتضادّتين في النفس في آن واحد ، ومثلهما الحبّ والبغض حرفاً بحرف .
فالجواب : أمّا في موارد الأمارات والأُصول المحرزة التي قد عرفت أنّه ليس فيها حكم ظاهري مجعول حتّى تتعلّق بها الإرادة والكراهة ، ولو كانت هناك إرادة أو كراهة فإنّما هما متعلّقتان للحكم الواقعي ، فهو ما عرفته عند رفع المحذور الأوّل من المحاذير الملاكية من أنّ إيجاب تحصيل العلم بالأحكام الواقعية من طريق السؤال عن المعصوم ( عليه السلام ) أو بالاحتياط كان مستلزماً للعسر والحرج ورغبة الناس عن الدين ، وصار ذلك سبباً للأمر بالعمل بالطرق والأمارات والأُصول العملية ، فعند ما وافقت تكون الإرادة واحدة وليست وراء الإرادة المتعلّقة بالواقع ، إرادة أُخرى ، وإن خالفت فلا مفرّ عن رفع اليد عن الإرادة أو الكراهة المتعلّقتين بالأحكام الواقعية ، في حقّ الجاهل والشاك الفاحص عنها بقدر الكفاية ، وليس ذلك لقصور مقتضيات الأحكام وملاكاتها ، بل من باب مزاحمة الأهم والمهمّ وهو ليس أمراً غريباً بين العقلاء .
وإن شئت قلت : إنّ الحكم الواقعي لعدم وصوله إلى المكلّف غير منجّز ، ومثل هذا الحكم لا يحكم العقل بلزوم امتثاله ، ولا باستحقاق العقاب على مخالفته ، وإنّما يحكم بلزوم امتثال ما أدّت إليه الامارة أو الأصل المحرز منه ، ففي مورد الموافقة تتعلّق الإرادة القطعية بالواقع لوصوله ، وأمّا في مورد المخالفة فليست هنا إرادة جدّية قطعية به ، لعدم تمكّن المكلّف من الامتثال وهذا هو معنى رفع
المحصول في علم الاُصول — صفحة 125
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٢٥