ولو قلنا : بأنّ جعل الحجية للأمارات مستتبعة لأحكام تكليفية أي جعل حكم على طبق مفاد الأمارة أو بأنّه لا معنى لجعلها إلّا جعل تلك الأحكام وتكون الحجية منتزعة من نفس تلك الأحكام ، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم إلّا أنّهما ليسا بمثلين أو ضدّين لأنّ أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه ، موجبة لانشائه ، الموجب للتنجّز ، أو لصحة الاعتذار بمجرّده ، من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلّقة بمتعلّقه ، والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه موجبة لإرادته أو كراهته ، فغاية ما يلزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثاً وزجراً ، وإنشاء حكم آخر طريقي ولا مضادّة بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا ولا يكون من اجتماع المثلين إذا اتّفقا « 1 » .
وهذا لب جوابه بحذف ما لا دخالة فيه من حقيقة الإرادة والكراهة في المبدأ الأعلى وفي المبادئ العالية فإنّها أبحاث كلامية خارجة عن محطّ البحث .
وهذا الجواب يفارق الجواب السابق جوهراً فإنّ الأساس في السابق هو إعطاء الأهميّة لمفاد الأمارات ، أعني : الأحكام الظاهرية لا الواقعية ، على عكس ما في هذا الجواب من توصيف الأحكام الواقعية بالحقيقية ، وأمّا الأحكام الظاهرية ، فإمّا ينكر وجودها كما على القول بأنّ المجعول هو الحجّية وهي لا تستتبع أحكاماً ، أو توصف بالطريقية والحكم الطريقي تابع للمصلحة في السلوك أو في الجعل ، والحكم الواقعي تابع للمصلحة في المتعلّق .
وأمّا المتعلّق فهو ليس بمراد في الأحكام الظاهرية لا استقلالًا ولا آلياً ، بل المراد نفس الحكم بخلافه في الواقعية فإنّها مرادة استقلالًا .
ثمّ إنّه ( قدس سره ) قد حسم بجوابه هذا سائر المحاذير الموجودة في المقام ، من اجتماع المصلحة والمفسدة أو الإرادة والكراهة ، وقد عقدنا لكل محذور بحثاً وهو بحث عنها جملة واحدة فلاحظ .
هامش
( 1 ) - الكفاية : ج 2 ص 44 .