الاعتبار مقام البعث والزجر التكوينيين فإنّ الإنسان إذا أراد بعث ولده يحرّكه نحو العمل بيده ، أو أراد زجره يمنعه بها ، فهذا هو البعث والزجر التكوينيان .
ولمّا كان هذا أمراً غير ممكن في كلّ الأحايين ، خصوصاً فيما إذا أراد بعث جماعة أو زجرهم ليسوا بحضرته ، حاول العقلاء أداء ذينك الأمرين التكوينيّين بوضع لفظ افعل ولا تفعل على الحكاية عنهما في عالم الاعتبار ، فكلّ من هذين اللفظين مصداق تكويني للّفظ والصوت ، ومصداق اعتباري للبعث والزجر التكوينيين فناب اللفظ حسب الاعتبار مكان الأمر التكويني .
ولمّا كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار كان البعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى بأن يكونا اعتباريين ، فلا يتّصفان بالتضاد إلّا بالتشبيه والتمثيل .
وإن شئت قلت : إنّ كلّا من البعث والزجر المنشأين باللفظ ليس بعثاً حقيقياً وزجراً كذلك ، بل وجود اعتباري لهما ، والتضاد من صفات القسم الأوّل دون الثاني .
وأوضح دليل على كونهما أو كون الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية ، أنّه إذا أمر الآمر بشيء ، أو نهى عنه ، لا يتحقق أثر خارجي في ناحية المتعلّق ، بل هو على ما هو عليه قبل التعلق .
فإن قلت : إذا كان البعث والزجر أو الوجوب والحرمة ، من الأُمور الاعتبارية ، فلما ذا لا يجوز الأمر والنهي بشيء واحد في زمان واحد ويعدّ من التكليف المحال أو التكليف بالمحال .
قلت : إنّ الموصوف بالامتناع حقيقة ، في هذا المورد ، إنّما هو اجتماع مبادئ الأمر والنهي في زمان واحد بالإضافة إلى شيء واحد ، لا نفس التكليف الاعتباري مع قطع النظر عن المبادئ إذ هو ليس محالًا ، غاية الأمر يكون لغواً .
أضف إلى ذلك ما سيوافيك في المستقبل من أنّه ليس في مورد الأمارات
المحصول في علم الاُصول — صفحة 116
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٦