وقد عرفت عدم التزاحم بين الأمرين ، لا في مقام التشريع ، ولا في مقام التأثير ، ولا في ظرف الامتثال .
وهذا البيان لا غبار عليه ، وهو يفيد القطع بجواز الترتّب لمن أمعن ونظر .
وكون الأمر بالمهم فعلياً مع فعلية الأمر بالأهم ، ممّا لا يضرّ بعد عدم كون مفادهما طلباً للجمع بين الضدّين .
كما أنّ كون الأهمّ فعليّاً في ظرف فعلية المهم ، أيضاً غير مضرّ ، لأنّ مفادهما ليس أمراً بالجمع بين الضدّين ، وإن كان جمعاً بين الطلبين ، ولكن النتيجة هي طلب التفرقة بين الضدّين .
نزيد بياناً ، فنقول : إنّ » الأوامر « من الأُمور الاعتبارية التي لا يتحقّق بينها التنافي ولا التلاؤم من حيث أنفسها ، إذ لا نفسية لها . وإنّما يتحقّق بينها من حيث الآثار المترتبة عليها ، كالتلاؤم بين المتعلّقين ، والتنافي والتضادّ بينهما . فالتدافع والتضادّ إنّما هما بين المتعلّقين في مقام الامتثال ، واتصاف الأمر بهما من باب المجاز .
إذا عرفت ذلك ، فاعلم : إذا كان هناك تدافع بين المتعلّقين في مقام الامتثال ، بأن يتّحد ظرف امتثالهما ، لاتّصف الأمران بالتضادّ ، واستحال طلبهما . وأمّا إذا لم يكن هناك تزاحم في مقام الامتثال ، فلا مانع من طلب الشيئين على ذاك الوجه . وقد عرفت أنّ تقييد أحد الأمرين بالعصيان يوجب اختلاف ظرف المتعلّقين من حيث الامتثال .
وهذا هو الحقّ القراح ، وإن شئت فاجعله وجهاً مستقلًا ، أو توضيحاً لما رامه السيّد البروجردي رحمه اللّه .
ولعلّ ما ذكرنا من التحليل حول دليل المانع وما نقلناه من التقريبات الأربعة جعل صحّة الأمر بالترتّب أمراً واضحاً ، وصيّر المخالف في هزيمة نكراء
المحصول في علم الاُصول — صفحة 59
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٩