وأمّا الآية الثانية : فليس الاستشهاد والشهادة فيها إلّا بلسان الحال ، فإنّ كلّ إنسان يولد ، فإنّما يولد بفطرة التوحيد ، ثمّ أبواه يمجّسانه وينصّرانه ويهوِّدانه ، فكلّ مولود يشهد بفطرته على وجوده ووحدانيته ، فالسؤال والجواب تكوينيّان لا تشريعيّان .
وإن شئت قلت : إنّ الخطاب في الآية الثانية ، ليس خطاباً اصطلاحيّاً وإنّما هو خطاب بلسان الاستعداد ، وأنّه سبحانه لما أعطى الإنسان في هذه الدنيا الفطرة السليمة الشاهدة على وحدانيته وتنزّهه من الشرك ، كأنّه خاطبهم ب (
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
) فأجابوا بلسان الاستعداد إذ قالوا (
بَلى
) وقد فصّلنا الكلام حول مفهوم الآية في موسوعتنا التفسيرية مفاهيم القرآن « 1 » فراجع .
2 جعل التكليف الإنشائي للموجودين والغائبين والمعدومين ، وإلى هذا القسم ينظر قول المحقّق الخراساني » نعم هو بمعنى مجرّد إنشاء الطلب بلا بعث ولا زجر لا استحالة فيه أصلًا فإنّ الإنشاء خفيف المئونة ، فالحكيم تبارك وتعالى ينشأ على وفق الحكمة والمصلحة طلب شيء قانوناً من الموجود والمعدوم حين الخطاب ( حين التكليف ) ليصير فعلياً بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر . . . « . « 2 » يلاحظ عليه : أنّه بعيد عن الاعتبار ، إذ أيّ معنى لجعل الحكم على المعدوم بما هو معدوم والأحكام مجعولة على الأفراد وليس المعدوم فرداً للطبيعة وإنّما الفرد هو الموجود ، وما استشهد في كلامه بالوقف على البطون المتعدّدة المتلاحقة وأنّ المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة بعد وجوده بإنشائه ، فيتلقّاها من الواقف بعده ، ليس دليلًا على صحّة هذا الوجه ، لأنّ صحّته أعمّ من هذا الوجه والوجه الآتي .
هامش
( 1 ) - مفاهيم القرآن : 84 / 1 .
( 2 ) - كفاية الأُصول : 355 / 1 .