أمر انتزاعي منتزعاً من أمر واقعي حقيقي تكويني ، كما في انتزاع الزوجية من إنشائها ، والنجاسة من الأمر بالاجتناب ، والجزئية للسورة من الأمر بالقراءة ، وعلى كلّ تقدير فالمفهوم الانتزاعي ما يصنعه الذهن بالنظر إلى منتزعه .
وأمّا الأمر الاعتباري فهو من مقولة الإنشاء سواء كان المعتبر من الاعتباريات الاجتماعية كالرئاسة والوزارة أو من الأحكام المفوّضة على المكلّف كالوجوب والحرمة والاعتباريات بكلا قسميها ، لا تعدّ من مراتب الحقيقة .
ثانيهما : بناءً على تفسير الصحّة بالمطابقة ( على رأي المتكلّمين ) فإنّها ليست من الأُمور الاعتبارية ولا الانتزاعية ، بل من الأُمور الواقعية ، فكما أنّ توازي الخطين وتساويهما من الأُمور الواقعية ، فكذلك مطابقة المأتي به للمأمور به من الأُمور الواقعية التي يدركها العقل كإدراكه الجواهر والأعراض . نعم إنّ الطرفين في الخطين المتوازيين من الأُمور الخارجية وفي المقام أحدهما اعتباري وهو المأمور به والآخر تكويني ، غير أنّ ذلك لا يضرّ بعدم كون التطابق أمراً اعتبارياً ولا انتزاعياً بل أمراً له واقعية بالنسبة إلى ظرفه ، يدركه العقل ، فهو ليس اعتبارياً ولا انتزاعياً ولا مجعولًا بنفسه أو بتبع منشئه ولا من المستقلّات العقلية ، بل من إدراكاته وليس كلّ إدراك عقلي من قبيل المستقلّات .
نعم الصحّة بمعنى سقوط القضاء والإعادة كما أفاده قدَّس سرّه من الأحكام التي يستقلّ بها العقل ، عند الإتيان بالفعل بعامة أجزائه وشرائطه .
فتحصّل أنّ الصحّة ليست من المجعولات الشرعية ، بل أمرها دائر بين كونها من الأُمور الواقعية أو من المستقلّات العقلية ، لا من الأُمور الاعتبارية والانتزاعية .
نعم يمكن تصحيح كونها مجعولة في مورد امتثال الأوامر الظاهرية كما أفاده باعتبار منشئها ، فإنّ الشارع لا يصف العمل بالصحّة إلّا إذا رفع اليد عن
المحصول في علم الاُصول — صفحة 301
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٠١