النظرية الأُولى : نظرية المحقّق الخراساني
حاصلها : أنّ الوجوب التخييري سنخ من مطلق الوجوب ، يتّصف به كلّ واحد من العدلين ، وتتعلّق إرادة خاصة بكلّ واحد معيّناً . إلّا أنّ إطلاق وجوب كلّ منهما مقيّد بعدم الإتيان بالآخر . وإن شئت قلت : إنّ كلّ واحد من العدلين واجب ، إلّا أنّه بنحو يمكن تركه إلى بدل ، مطلقاً ، فلا يمكن تحصيلهما معاً ، كما لا يمكن تركهما .
وأوضحها القائل بقوله : إذا أمر بأحد الشيئين كأن يقول : أوقد النار أو أسرج المصباح بملاك أنّ هناك غرضاً واحداً يقوم بكلّ واحد منهما ، بحيث إذا أتى بأحدهما ، حصل به تمام الغرض ويسقط به الأمر ، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما ، وكان التخيير بحسب الواقع عقلياً لا شرعياً : وذلك لوضوح أنّ الواحد ( الغرض ) لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان ، ما لم يكن بينهما جامع في البين ، لاعتبار نحو من السنخية بين العلّة والمعلول . فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي ، لبيان أنّ الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين .
وأمّا إن كان الأمر بملاك أنّه يكون في كلّ واحد منهما غرض خاص غير ما في الآخر لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر ، بإتيانه ، كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب ، تستكشف من هذا النحو تبعاتُه من عدم جواز تركه إلّا إلى الآخر ، وترتّب الثواب على فعل الواحد منهما ، والعقاب على تركهما .
فلا وجه للقول في مثله ، بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقاً ولا مفهوماً إلّا أن يرجع هذا القول إلى ما ذكرناه فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأوّل من أنّ الواجب هو الواحد الجامع بينهما لا أحدهما معيّناً . مع كون كلّ منهما مثل الآخر في أنّه واف بالغرض . « 1 »
هامش
( 1 ) - لاحظ كفاية الأُصول ، ص 245 ، طبعة المشكيني .