اللهمّ إلّا أن يقال : بحجّيتهما بالنسبة إلى نفي القول الثالث ، أو يقال بأنّه كما نعلم بعدم تعيّن الاحتياط المطلق من أوّل الأمر وكون الالتزام به مرغوبا عنه عند الشارع ، ولأجل ذلك نستفيد جواز التقليد ومشروعيته ، إذ التزام الجميع بالاحتياط مع أنّه موجب لاختلال النظام مخالف لبناء الشريعة السمحة السهلة ، كذلك نعلم بكونه مرغوبا عنه عند تعارض المجتهدين ، فإنّ موارد التعارض أكثر من أن تحصى والالتزام فيها بالاحتياط التامّ يوجب المحاذير المشار إليها ، وحينئذٍ فيكون المرجع أحوط القولين لا الاحتياط التامّ .
ومما يدلّ على التساقط عند التعارض موثّقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر ، كلاهما يرويه ؛ أحدهما يأمر بأخذه ، والآخر ينهاه عنه ، كيف يصنع ؟ قال :
« يرجئه حتّى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتّى يلقاه » . « 1 »
بناءً على كونه مربوطا بتعارض المجتهدين لا الراويين وبإطلاقه يشمل ما إذا كان أحدهما أعلم فيتساقط قوله مع قول غيره .
ومما يؤيّد كون الرواية مربوطة بباب الإفتاء قوله : « أحدهما يأمر بأخذه ، والآخر ينهاه عنه » ، إذ الأمر والنهي من وظائف المجتهد والمفتي لا الراوي بما هو راوٍ .
فإن قلت : معنى قوله :
« يرجئه »
هو الإرجاء من حيث الفتوى بقرينة السعة في مقام العمل ، فالرواية بصدد بيان وظيفة المجتهد الوارد عليه خبران
هامش
( 1 ) - الكافي 66 : 1 / 7 ؛ وسائل الشيعة 108 : 27 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 5 .