وأمّا على السببية في جعل أحد المتعارضين - لا في أصل حجّية الأخبار وإلّا لم يصل النوبة إلى التساقط والعلم بجعل أحدهما - . فإجماله : أنّه إن قيل بالسببية الأشعرية بأن يكون الأحكام تابعة للأمارات ولا يكون مع قطع النظر عنها أحكام واقعية يشترك فيها العالم والجاهل .
فإمّا أن يقال : بجعلها لعنوان المؤدّى أو نحو ذلك أو يقال : بجعلها لذات المؤدّى كصلاة الجمعة مثلًا ، فعلى الأوّل حكمه حكم دوران الأمر بين التعيين والتخيير في سائر الموارد ، إذ أصل جعل الحكم معلوم والتعيّن مشكوك ، وعلى الثاني فالأمر أيضا كذلك .
وإن قيل بالسببية الانقلابية بأن يكون لنا أحكام واقعية مع قطع النظر عن الأمارات ويكون مخالفة الأمارة للواقع موجبة لحدوث مصلحة أقوى من الواقع فالحكم أيضا التخيير ، إذ لا يعلم كون الأمارة المخالفة للواقع خصوص واجد المزيّة ، والحكم المجعول فعلًا تابع لما هو المخالف . وحيث لا علم به فالعقل يحكم بالتخير .
فإن قلت : ليس القائل بالانقلاب قائلًا بحدوث المصلحة في خصوص المخالف ، بل يقول بحدوثه مطلقا . غاية الأمر : في الموافق يتأكّد الحكم وفي المخالف ينقلب .
قلت : الداعي على تصوير السببية هو الفرار عن اجتماع الضدّين ؛ أعني الحكم الواقعي والظاهري ، والقدر اللازم هو تصوير حدوث المصلحة الأقوى في المخالف لينقلب الواقع ، وأمّا في الموافق فلا دليل عليه ولا ملزم له .
وإن قيل بحدوث المصلحة في سلوك الأمارة فدار الأمر في المقام بين
محاضرات في الأصول — صفحة 389
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٨٩