عرفت ان المراد بالحجية تنجيز الواقع عند الإصابة والعذر عند الخطاء ، وان شئت قلت :
ان اثرها هذان الأمران ولكن الأول منها لا قيد فيه أصلا ، فانّ كل قطع ينجز الواقع إذا أصاب ولو كان حاصلا من سبب غير عادي أو ممنوع شرعا ، واما الثاني فمقيد بما إذا لم يكن القطع حاصلا من الطرق الممنوعة شرعا فإذا حصل منها وصادف خطأه لا يكون عذرا وان لم يمكن منع القاطع عن العمل به ، وذلك لحكم العقل المستقل في باب الإطاعة والعصيان واستحقاق الجنان والنيران بان مثل هذا العبد ليس معذورا ويستحق العقاب بترك الواقع ، إذ تركه في حقه مستند إلى التقصير لا القصور فتدبر .
في عدم امكان النهى عقلا عن العمل بالقطع
الثاني : هل يمكن عقلا النهى عن العمل بالقطع أو لا ، والحق عدم الامكان ، لأنه يوجب التناقض ، ولكن ليعلم ان القطع الحاصل بالاحكام لما كان غالبا بل دائما الا ما شذّ وندر حاصلا من الطرق الظاهرية ولا يحصل عادة القطع بكنه الإرادة الواقعية النفس الامرية الكامنة في نفس المولى ، فلا ضير في منع العمل عن اتباع القطع الحاصل من تلك الطرق الظاهرية ، فالمراد من عدم امكان منع القاطع عن العمل بقطعه انما هو عدم امكانه من حيث جهة القطع لا من حيثية أخري ، إذ هو الذي يرجع إلى التناقض بنظر القاطع . ثم إنه أورد على الدعوى نقضا بالظن القياسي في حال الانسداد ، فإنه جاز النهى عن العمل به ، مع أنه في تلك الحال كالعلم بحكم العقل . وأجاب عنه المحقق الخراساني ( قده ) في الحاشية : بالفرق من جهة انه لما لم يكن الواقع مكشوفا من دون سترة في الظن أمكن المنع عنه في الظاهر ، لان رتبة الحكم الظاهري محفوظة عند ذلك بخلاف القطع .
ويرد عليه ان مجرد حفظ مرتبة الحكم الظاهري لا يرفع الاشكال ، ما لم يتشبث بالعلاج والجمع بين المرتبتين بوجه من الوجوه ، ولذا ترى انه ( قده ) وقع في ذلك وتشبث برفع فعلية الحكم الواقعي وبقائه على مجرد الانشاء إذا رخّص في تركه وسيأتي تفصيل الكلام فيه ، وذلك لأنه كما لا يمكن القطع بالمتناقضين أو الضدين كذلك الظن بهما وكذلك احتمالهما ، فلا بد من العلاج والجمع بين الحكمين بأحد وجوهه .