وكيف كان الّذي يخطر بالبال ان النزاع ليس في خصوص النهى التحريمى ، إذ لو كان فيه وحده كان النزاع عقليا محضا مربوطا بالبحث عن الملازمة بين الفساد والحرمة ولو لم تكن مدلولة للّفظ أصلا ، بل انما هو في مطلق النهى ، فيؤول النزاع إلى أن الظاهر منه ما ذا فهل كان ظاهر في الارشاد إلى الفساد أو كان ظاهرا في المولوية والتحريم ؟ فعلى الأول كان دلالته عليه بالظهور المطابقي ، وعلي الثاني بالالتزام المستفاد من حكم العقل بالملازمة علي فرض وجودها ، فافهم .
الأمر الثالث : في ما هو المراد من النهى في المقام
قد تقدم في الامر السابق ان المراد بالنهى الواقع في العنوان أعم من النهى التحريمى المولوي والارشادي ، كما يشهد عليه استدلالاتهم الآتية ، فإنّه استدل جمع من القائلين بالفساد في المعاملات بظهور النهى فيها في الارشاد إلى الفساد ، وهذا واضح لا سترة عليه ، لكن لا إشكال في ظهور لفظه في التحريمى إذا كان مولويا فلا يشمل التنزيهي بالظهور اللفظيّ ، وهل هو ملحق به في جريان النزاع أولا ؟ وجهان : من عدم جريان ما ذكروه في وجه بطلان العبادة المتحدة مع الحرام من أن المبعد لا يكون مقربا والمبغوض الّذي يعاقب عليه لا يقع على وجه العبادة في النهى التنزيهي ، ومن اعتبار الرجحان الذاتي وحسن الفعل في وقوع العبادات علي وجه الصحة علي ما مر عند البحث عن الوجه الثاني من وجوه ترجيح النهى في المسألة المتقدمة ، ومن الواضح أنّه لو كان فعل الشيء مكروها علي وجه الاطلاق كان فيه مفسدة غالبة ومعه لا يقع علي وجه العبادة .
ومما يزيد في التعجب ذهاب صاحب الكفاية قدّس سرّه إلى الحاق النهى التنزيهي إلى التحريمى في المقام مع انكاره لاعتبار حسن الفعل علي ما عرفت . وواضح أنّه لو لم يكن الرجحان الذاتي معتبرا كان مقتضى القاعدة صحة العبادات المكروهة علي وجه الاطلاق ، إذ عرفت عدم جريان وجوه الحكم بالفساد في العبادات المجتمعة مع الحرام في المقام ، لوضوح ان المكروه لا يقع علي وجه المبغوضية ولا يكون مبعدا ، وعلى هذا يمكن اتيان المكروه بقصد الملاك الموجود فيه بما هو عبادة لما مر غير مرة من أن المفسدة وان غلبت لا توجب ذهاب المصلحة الموجودة من رأس ، فأمكن قصد الملاك كما أمكن قصد