ثم إن الظاهر كون المثالين المذكورين أجنبيين عن المقام بالمرة ؛ امّا الأوّل فلان حرمة الصلاة بالنسبة إلى أول رؤية الدم انما تكون لقاعدة الامكان وبالنسبة إلى آخره تكون بقاعدة الاستصحاب لا لأجل ترجيح جانب الحرمة علي الوجوب .
ان قلت : هاتان القاعدتان دليلان علي ترجيح جانب الحرمة علي جانب الوجوب وتقدمها عليه بنظر الشارع .
قلت : ربما كان هذا الاشكال واردا في بدو النظر ، ولكنه مدفوع عند التأمل وامعان النظر ، فان قاعدة الامكان انما تبين حال الدم وتحكم بكونه دم حيض ولذا يحكم عليه بجميع الآثار المترتبة علي كون الدم حيضا ، ومنها عدم جواز الصلاة فيه ولو كان بأقل من درهم ، فليست مجعولة لتقديم جانب الحرمة وترجيحها علي الوجوب ، بل انما يحكم بحرمة الصلاة من جهة كونها من آثار حيضية الدم . « 1 » وأمّا الاستصحاب فهو مثل قاعدة الامكان ان قلنا بجريانه في نفس الدم بناء علي كونه امرا واحدا بنظر العرف كما أشار اليه الشيخ قدّس سرّه في بعض تنبيهات الاستصحاب ، فإنّه حينئذ يبين حال الدم بعين القاعدة ولذا يجري عليه جميع آثار الدم المحكوم بالحيضية . ولعلّه أشار إلى ذلك في « الكفاية » بقوله :
لان حرمة الصلاة فيها انما تكون لقاعدة الامكان والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا انتهى . وان قلنا بعدم جريانه في نفس الدم من جهة المناقشة في كونه امرا واحدا مستمرا بنظر العرف فلا يجري عليه آثار كون الدم حيضا ، بل انما يجري آثار كون المرأة حائضا ، فيجري احكام كونها حائضا من حرمة الصلاة والدخول في المساجد ووطئها وغير ذلك ، ولكنه أيضا ليس ترجيح جانب الحرمة علي جانب الوجوب ، بل انما انطبق عليه كانطباقه علي ساير الآثار ، وبذلك يظهر الحال فيما لو كان مجري الاستصحاب نفس الحكم أيضا ، فان اثبات الاستصحاب للحرمة السابقة في بعض المقامات وانطباقه عليها من باب الاتفاق ليس من باب تغليب جانب الحرمة وليس ملاك اعتباره ذلك ، ولذا ربما ينطبق علي الوجوب في موارد دوران الامر بينه وبين الحرمة ، فيثبت الأصل الوجوب
هامش
( 1 ) . أقول : ولذا لو فرضنا ترتب حكم وجوبي علي كون الدم حيضا وحكم تحريمى علي عدمه يحكم بوجوب ذلك عليها لأجل القاعدة ، كما لا يبعد فرض ذلك بالنذر .