هناك وجود الأفراد الغالبة ووجود موارد نادرة أيضا علي خلاف ما هو الغالب ، فعند ذلك إذا وجد مورد مشكوك أنّه هل هو داخل في الثاني أو في الأول ؟ حكم قدّس سرّه بكونه ملحقا بالأول لحصول الظن الحاصل من الغلبة ، وهذا بخلاف المقام فان المفروض فيه استقراء موارد عديدة حكم فيها الشرع بالحرمة ورجّح جانبها علي جانب الوجوب ولم يقع الاطلاع علي مورد خلاف ذلك أصلا ، فحصل الظن من هذه الجهة بان هذا الحكم مرتب علي الجامع بين تلك الموارد ، وبه يتبين حكم مورد الشك بالظن . ومن الواضح أنّه لو كان المقرر ذلك ينتفى الظن بمجرد الاطلاع علي الخلاف ولو كان في مورد واحد فضلا عن الأكثر . وكيف كان لا دليل علي اعتبار هذا الظن الحاصل من الاستقراء ، مع أنّه لم يثبت كونه بالغا إلى حد يوجب الظن أيضا فضلا عن القطع .
وثانيا بما هو أدق من ذلك وهو ان الموارد الّتي غلب فيها جانب الحرمة علي جانب الوجوب ولو كانت الف مورد بل الف الف لم يعلم أن تغليب الشارع جانب الحرمة هل كان بملاك دوران الامر بين الوجوب والحرمة فقط ليحصل منه قاعدة كلية في جميع موارد دوران الامر بين المحذورين ويتضح به حكم كل مورد يشك في كونه حراما أو واجبا من جهة دوران الامر بينهما ، أو كان لأهمية ملاك الحرمة وغلبته علي ملاك الوجوب المعلومة عنده . وبعبارة أوضح نحن نري موارد حكم الشارع فيها بالحرمة مع كون كل من الوجوب والحرمة محتملا فيها ، ولكن لا نعلم أن حكمه هذا هل كان لما رأي ان الحرمة في تلك الموارد كانت علي فرض ثبوتها أولى وانبل بالمراعاة بحيث ربما كان احتمالها مقدما علي الوجوب المعلوم أيضا فضلا عن المحتمل ، أو كان لمجرد كون الامر دائرا بينهما ؟ والّذي يفيدنا هو الثاني ، ودون اثباته خرط القتاد ، إذ لا مجال لاحد استكشاف ذلك ولا طريق لاحرازه أصلا ، وأمّا الأول فلا يوضح به حكم المقام فإنّه علي فرض أهمية الحرمة احتمالا أو محتملا لا بدّ من تقديم جانبها علي جانب الوجوب كما حققناه عند دوران الامر بين المحذورين ، ولكن انّى له باثبات المقام مما كان احتمال الحرمة في عرض احتمال الوجوب ، والغلبة محتملة في كل منهما بحسب الملاك ، فافهم واستقم .
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 347
مساهمون: المحقق الداماد
ص٣٤٧