تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبانى الفقيه — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ومن هنا يتضح أن الموعظة التي توجه إلى الجاهل الغافل غير الموعظة التي توجه للعالم ، وموعظة العالم المفرّط غير موعظة العالم العامل ، وموعظة العالم العامل غير موعظة العالم العامل المخلص ، ومستوى موعظة المخلصين فوق موعظة الجميع ، وأن توجيه الموعظة التي هي لطبقة من هذه الطبقات لمن هو ليس من أهلها بمنزلة إعطاء الدواء لمريض وهو ليس دواء لمرضه ، وقد يؤدي استعمال الدواء الذي هو ليس دواء للمرض إلى مضاعفات يعجز الطبيب عن تداركها وهذا شيء يعرفه كل أحد . ومن المؤسف أن الوعّاظ يلتقطون المواعظ من الكتب ويحفظونها من غيرهم ويقدمونها للجميع على السواء ، وأنهم يختارون منها ما يتلائم مع أهدافهم الدينية أو الدنيوية ويخرجون عن حد الاعتدال ، فإذا أراد التخويف لم يزل يخوف حتى يزرع اليأس في قلب السامع من رحمة اللّه ، وإذا أراد الترغيب لم يزل يرغب حتى يغمر النفوس بالأمن من مكر اللّه ، وعلى هذه فقس ما سواها . فإذا أراد حثّ الناس على العمل جعله جهادا من أعظم الجهاد ، وإذا أراد التنفير من الخمر والربا سار على هذا المنهج مع أن الأنبياء وأوصيائهم أمرونا بالمحافظة على توازن الخوف والرجاء ، ونحن في كتابنا هذا نستمد العون من اللّه سبحانه ونسأله أن يفتح علينا الأبواب الموصدة إلى رضوانه ، وأن يجعلنا كتابنا هذا بابا من تلك الأبواب وأن يوفقنا لإتمامه على ما يريد وهو حسبنا ونعم الوكيل .

الوقفة السابعة والأخيرة :

اعلم أن إثبات الجرم في الإسلام ليس بالأمر السهل ، فقد أجمع المسلمون على أن الحدود تدرأ بالشبهات ، ومعنى هذا أن احتمال عدم الجريمة ولو بالألف واحد يدرأ الحد ويدفعه ، ويدل على ذلك النبوي