الآخر . وهذا أمر معقول ، بخلاف الأوّل والثاني ، فإنّ تقييد الحجّيّة بالأخذ أو بالعمل لا ينطبق على ظاهر دليل التخيير ، لوضوح أنّ مقتضى التخيير في الحجّيّة أنّه هو بعينه كالحجّيّة المعيّنة ، ولا فرق بينهما إلّا في التعيين والتخيير ؛ وأمّا التعيين بعد الأخذ فهو خلاف إطلاق التخيير ، فالتقييد بالأخذ أو بالعمل خلاف إطلاق دليل التخيير .
هذا بالنسبة إلى ما دلّ على التخيير كقوله عليه السلام « 1 » : « بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم » .
وأمّا بالنسبة إلى إطلاق دليل الحجّيّة فإنّ الموضوع ليس إلّا الخبر والعمل به ، وليس فيه من الالتزام والأخذ عين ولا أثر . والمقصود من الأخذ في غير ذلك من الأدلّة هو العمل ، فليس الموضوع إلّا العمل ، فإن أمكن الأمر التعيينيّ فهو ، وإلّا فالتخييريّ ؛ وأمّا الجمع بين التخيير في الأخذ وصرف الموضوع عن العمل إلى الأخذ فممّا لا وجه له ؛ مع بُعده في نفسه عند اعتبار العقلاء بأن يكون حجّيّة شيء بيد المكلّف ، فإن التزم به للعمل صار حجّةً حتّى يجيء يجيء بعض شبهات أخرى من أنّه يمكن أن يلتزم بأحد الخبرين لعمل نفسه ويلتزم بالآخر لعمل مقلّديه ، أو يلتزم بالعمل بأحد الخبرين ليوم وبالعمل بالخبر الآخر ليوم آخر ، فالحجّة تكون بيد العبد . وهذا ممّا يبعّده العقل إن لم يحكم بامتناعه ، من جهة أنّ الملاك في الحجّيّة هو الأقربيّة إلى الواقع ، ومن المعلوم أنّها تابعة للواقع ولا تكون تابعةً للأخذ والالتزام ؛ وهذا بخلاف الحجّيّة التخييريّة بالمعنى الثالث ، فإنّ المقصود أنّ الواقع لا يخرج عنهما ، وحيث كان جعل الاحتياط محذوراً حكم بالتخيير .
والّذي يرشدك إلى ذلك عدمُ احتمال أحد في مسألة الاضطرار إلى غير المعيّن أن يكون العلم حجّةً بالنسبة إلى أحد الأطراف معيّناً على تقدير الأخذ مع أنّ ذلك والمسألة من باب واحد لو فرض عدم وجود دليل خاصّ في البين يقتضي التخيير .
هامش
( 1 ) المتقدّم في ص 250 .