على أنّه على فرض التقدّم كان رافعاً للموضوع وكان غيرَ مناف للمورود ولا مخلًّا بظهوره أصلًا كما لا يخفى ؛ كما أنّ التخصيص في الدور الثاني لا يتوقّف على اعتباره مع فرض المورود ، بل يتوقّف على عدم كون الوارد رافعاً للموضوع على تقدير التقدّم ، وهو ليس بمحقّق ، فلا تخصيص ، لعدم العلّة ، لا للزوم الدور ، فإنّه لو صحّ الدور المذكور لجرى في جميع موارد التخصيص وكان جميع موارد التخصيص دوريّاً ، فإنّ التخصيص لو توقّف على الحجّيّة الفعليّة ومن المعلوم توقّف الحجّيّة الفعليّة على التخصيص فيكون التخصيص دوريّاً في جميع الموارد . وقد ذكر بعض الكلام في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في مبحث السيرة المدّعاة على حجّيّة خبر الثقة ، فراجع إن شئت وضوح المقصد .
الأمر الثاني : ربما يمكن أن يتوهّم التنافي بين مثل « الغنم حلال » و « المغصوب أو الموطوء حرام » ،
وذلك لما اشتهر من أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة وأنّ المتعلّق للأحكام هو الوجودات الخارجيّة ؛ لكن يجمع بينهما بحمل الأوّل على الذاتيّ والثاني على الفعليّ .
والحقّ أنّ كلّاً من الحكمين فعليّ ، ولا تنافي بين المدلولين حتّى يجمع بينهما بالرجوع إلى المحاورات العرفيّة إن كانت الحلّيّة لا اقتضائيّة ، وذلك لعدم المنافاة أصلًا بين فعليّة الحرمة من حيث المغصوب وفعليّة عدم اقتضاء الغنم للحرمة وعدم كونه كالخنزير . هذا إذا كانت الحلّيّة بمعنى عدم الاقتضاء ، وأمّا إذا كانت الحلّيّة اقتضائيّةً فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه في الأمر الثالث .
والحاصل : أنّه يقال فعلًا من دون انتظار لحالة أخرى : إنّ الغنيمة لا تقتضي الحرمة ، وغصبيّةَ هذا الموجود تقتضي الحرمة ، وكلاهما فعليّ من دون أن يكون بينهما منافاة حتّى تصل النوبة إلى الجمع العرفيّ .