مفاد الحكم الظاهريّ في كلّ واحد من الطرفين إلّا وجوب معاملة النجس معه من باب احتمال كونه هو النجس ، فكما لا تنافي بين حكم العقل بالاجتناب في كلّ واحد من أطراف العلم الإجماليّ مع العلم بكونه غير واجب الاجتناب واقعاً في بعض الأطراف كذلك لا تنافي بينه وبين حكم الشارع بذلك .
إن قلت : مقتضى ذلك عدم التعارض بين الدليلين أو الأمارتين مع العلم بالخلاف إذا لم يكن موجباً للوقوع في المخالفة العمليّة .
قلت : التعارض فيهما من جهة دلالتهما على اللازم ، وهو عدم الحكم الإلزاميّ في الطرف الآخر ، وهو يعارض الطرف الآخر ويعارض لازمه .
لكن يمكن أن يقال : إنّه بعد سقوط الحجّيّة بالنسبة إلى اللازمين فلا مانع من حجّيّتهما بالنسبة إلى المدلول المطابقيّ ، إذ التعارض بين اللازمين والتساقط تنجيزيّ غير معلّق على شيء ، بخلاف التعارض بين الملزومين ، فإنّه معلّق على الحجّيّة بالنسبة إلى اللازمين ، وإلّا فلا تعارض في البين ؛ فنلتزم بذلك وإن لم يقل بذلك أحد في ما أعلم ، والعمدة مساعدة الدليل .
ومنها : أنّ جريان الأصلين يقتضي عدمَ وجوب موافقة الحكم الواقعيّ التزاماً .
والجواب عنه : أنّه وإن كان الالتزام بالأحكام الأوّليّة واجباً بل هو عين الإسلام المقابل للكفر الجحوديّ المجامع مع اليقين بالحقّ والمقابل للنفاق المقرون بالشهادتين لكن لا يقتضي الأصلان عدمَ الالتزام بالحكم الواقعيّ ، ولا الالتزامَ بأنّ الواقع هو مدلول الأصل ، للزوم التشريع ؛ فالأصلان لا يقتضيان إلّا العمل . والالتزام بأنّ الحكم الظاهريّ في الطرفين في المثال هو النجاسة وإن كان واجباً - لأنّه جزء من حقيقة الإسلام الّذي هو التسليم والانقياد - إلّا أنّه خارج عن مقتضى الأصلين ، وعلى فرض الاقتضاء فلا يوجب إلّا رفع اليد عن إيجابهما لعدم لزوم الالتزام ، لا رفعَ اليد عنهما في مقام العمل أيضاً ، فافهم وتأمّل .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 199
مساهمون: الشيخ مرتضى الحائري
ص١٩٩