تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١

المقام الأوّل في تعريف المطلق ،

فنقول : قد عرّف - كما تقدّم عن المشهور - بأنّه ما دلّ على شائع في جنسه . وفيه رموز لا بدّ أن ينبّه عليها : الأوّل : أنّه جعل الإطلاق صفة للدالّ دون المدلول ؛ وهو كذلك في اصطلاح الاصوليّ ، لأنّه يبحث عمّا هو الحجّة في الفقه كالأمر والنهي والعموم والخصوص ، ولا ريب أنّ ما هو الحجّة هو الدليل دون المعنى ؛ فالمطلق لا بدّ أن يكون هو اللفظ أو ما هو بمنزلته باعتبار خصوصيّة في المعنى ، كما أنّ اسم الجنس وعلم الجنس والنكرة وغيرها من هذا القبيل . الثاني : أنّه لم يقتصر على اللفظ ، بل جعل الموضوع مطلق الدالّ ؛ وهو كذلك أيضاً ، لأنّه قد يدلّ على المعنى الشائع بعض المناسبات العرفيّة بين الحكم والموضوع ، كما في مثل قوله تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ . . . »
( 1 ) ، فإنّ المناسبة المذكورة تقتضي أن يكون متعلّق التحريم هو نكاح المذكورات ، وذلك أيضاً مطلق باعتبار شياع معناه وأنّه الأعمّ من النكاح الدائم والموقّت مثلًا ، فتأمّل . الثالث : جعل المدلول هو الشائع لا الشياع ؛ وهو كذلك ، لأنّ ما يدلّ على نفس الشياع كالكلّ ومادّة الإطلاق لا يكون مطلقاً في الاصطلاح ، بل هو من أداة العموم إن كانت دلالته وضعيّة وموجب للإطلاق إن كانت من باب تحقّق مقدّمات الحكمة . الرابع : أخذ خصوصيّة الشياع ، فإنّه لو دلّت مقدّمات الحكمة على تعيّن معنىً خاصّ لا يكون اللفظ بالنسبة إليه مطلقاً ، كما لو كان اللفظ منصرفاً عند الإطلاق وعدم البيان على فرد من أفراد المعنى ، ولعلّه من هذا القبيل ما تقدّم من الآية الشريفة وأمثالها ، فإنّ إطلاق « حُرِّمَتْ » وعدم ذكر متعلّقه مع كونه في مقام البيان يدلّ على أنّ المتعلّق غير المذكور هو النكاح ، لكن لا يعدّ ذلك إطلاقاً وإن كان يسمّى دلالةً إطلاقيّةً في قبال الوضعيّة ، من باب التشبيه والمسامحة .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 23 .